Font Size

SCREEN

Cpanel

نايف خوري: عبد عابدي 50 سنة من الإبداع

بقلم: نايف خوري

 يقاس عمر الفنان المبدع بسنين عطائه وليس بسنوات حياته. والفنان المبدع عبد عابدي ولد ويعيش في حيفا، وجذوره متأصلة في هذه المدينة العريقة ومنها استقى فنونه المختلفة. وبالرغم من دراسته في ألمانيا وتخصصه في موضوع الجداريات، إلا أنه بلور لذاته طابعًا خاصًا ومميزًا، وهكذا يفعل الفنان الأصيل، فلا يقلد سواه، بل ينتهج لنفسه دربًا وأسلوبًا قد يشبه غيره أو يندرج معه في ذات المدرسة الإبداعية، ولكنه ينفرد بطريقته المتعلقة بمدى إبداعه. والفنانون العالميون الذين لمعت أسماؤهم في دنيا الإبداع استطاعوا أن يجعلوا لهم مدارس فنية، وينضم إليهم فنانون ساروا على دربهم. أما في بلادنا، فلم تنشأ مدرسة فنية مميزة بعد، في أي مجال، مما جعل الفنان المحلي يحاول أن يشق طريقه لكي ينخرط مع هذه المجموعة الفنية أو تلك. ففي مجال الغناء يميل الفنان المحلي إلى اللون اللبناني أو المصري أو السوري، وفي مجال الرقص الشعبي أو التعبيري، ليس لديه ميزان أو معيار محدد لطبيعة اللوحات الراقصة التي يصممها، إما في المسرحيات الغنائية، أو في المشاهد التعبيرية.


ولكن بعض فنانينا استطاعوا أن يخطوا أسماءهم في سجل الفنانين المرموقين، وحتى بلوغهم المرتبة العالمية، سينمائيًا أو مسرحًا، أو غناءً، وحتى في الفن التشكيلي. ولن أعرض الأسماء التي في ذهني والتي بلغت هذه المرتبة، لأنها تربطني بهم علاقات الصداقة والتقدير والاحترام. وإذا نظرنا إلى الفنانين المتبوئين للمجالات الفنية المختلفة، نجدهم قد بدأوا طريقهم الفنية مستخدمين أصالتهم والتزامهم بأسلوبهم الفني والإبداعي، وشقوا طريقًا عسيرًا ودربًا شاقًا حتى لمعت أسماؤهم في عالم الفن والإبداع.

وهنا يلفت انتباهي الفنان عبد عابدي الذي التزم بطرح قضايا جماهيرية وشعبية في أعماله الفنية، وأخذ يقدم أعمالاً اشتهرت كأعمال نضالية، وكمواضيع ذات صبغة تعود إلى مصلحة الجمهور وتعرض قضاياه. ومنها النصب التذكارية في القرى والمدن العربية، والجداريات التذكارية واللوحات المعبرة عن هذا العجوز الذي ينظر في الأفق إلى مستقبل مجهول، وإلى تلك العجوز الواجمة التي تتحسر وتصرخ صامتة، وإلى نافذة البيت المهدم، وإلى المشرد الذي يتطلع إلى حذاء أو سروال أو سترة يرتديها، ولا ننسى أعماله التجريدية التي وضع فيها خطوطه الفكرية والوجدانية، وكأني به يصرخ في وجه الإجحاف والظلم والاضطهاد. في ميل واضح إلى التيار اليساري الذي نشأ وترعرع عليه، مرحبًا بكل التقدميين الذين يتحلون بأفكار ومبادئ كأفكاره ومبادئه. وعندما ننظر إلى أي لوحة فنية نتعرف فورًا إذا كانت لعبد عابدي أم لا، لأن أسلوبه وطريقة عرضة اللونية والتخطيطية تبرز بوضوح للرائي والناظر.

لم يقتصر عمل الفنان عبد عابدي على أعماله الإبداعية الخاصة، بل أخذ ينشر فنه في القرى والمدن من خلال الدورات التعليمية، والدروس الفنية التي يلقنها لطلابه في مرسمه الخاص أو في الكلية العربية للتربية في حيفا. وكثيرًا ما كنت أحاوره في هذا المجال الفني أو ذاك، لأنه يؤيد دمج الأعمال الفنية المختلفة بعضها ببعض، ويرى من الطبيعي أن تتداخل في المنظومات الفنية وخدمتها للعملية الإبداعية، إن كانت في الحالات المسرحية أو الغنائية أو الموسيقية وحتى الراقصة والشعرية. فكلها تنخرط في بوتقة الإبداع، وتسكبها روح الفنان على الورق أو الخشبة أو الأسطوانة. وهكذا راح عبد عابدي يسعى إلى تنظيم المعارض الفنية له أو لسواه من المبدعين، وخاصة المعارض التي تحمل العناوين الملتزمة، والمتمحورة حول موضوع مشترك يلتف حوله الفنانون. وشاركت أعماله في أحداث فنية متنوعة كالمسرحيات أو الندوات الشعرية أو الأمسيات الإبداعية الأخرى.

بادر الفنان عبد عابدي إلى رعاية شؤون الفنانين العرب، ولم يقتصر جهده على الارتقاء بفنه كوحيد في مجاله، بل اتخذ لنفسه رؤيا بعيدة المدى، وساهم بتأسيس رابطة الفنانين التشكيليين العرب "إبداع" وحرص على تطعيمها بفنانين من خارج عالم الفن التشكيلي، لاعتقاده بأن الفنون تخدم بعضها، ولا تختلف الأعمال الإبداعية في تعاملها مع الإنسان بجوهره، ولكن قد تختلف بطريقة طرحها لهذا الموضوع أو تلك القضية. ودأب الفنان المبدع عبد عابدي على الأخذ بيد الفنانين المحليين، ودعمهم ورعاية شؤونهم، ولم يتطلع إلى الانطلاق وحيدًا في عالم الفن، بل كان كانزًا لمعارض جماعية عديدة في المراكز الفنية والمناسبات المختلفة، فهو واثق من دربه وأسلوبه، ومدرك بأنه يساهم بصورة فعالة في رفع شأن سائر الفنانين معه.

امتد نشاط عبد عابدي انطلاقًا من حيفا إلى سواها من المدن والقرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، واتسعت دائرة جمهوره أبعد من حدود 48، وحتى 67، ويجوز القول بأن معارضه التي تم تنظيمها في ألمانيا وهنغاريا وإيطاليا وفرنسا وغيرها الكثير، الفردية منها والجماعية، كانت شهادة أكيدة له بأنه تخطى إلى العالمية، وإلى الفنانين المرموقين وإلى اللا حدود بل إلى فضاءات راسخة في قلب الفن الإبداعي، ووضع بصمته بصورة دامغة في الفن العالمي، كفنان فلسطيني يحمل هوية محددة وطابعًا مميزًا وأسلوبًا منفردًا. وأصبح من غير الممكن الحديث عن الفن التشكيلي المحلي، أو الإبداعات الفنية المختلفة دون أن يكون اسم عبد عابدي مع المتقدمين بكافة الأصعدة. إنه فنان مبدع بحيث يصبح كل نشاط له بمثابة حدث فني هام.

تعاون عدد من الهيئات والشخصيات كجمعية الصبار في أم الفحم، على إصدار كتاب هو الأول من نوعه في أدبنا وفننا المحلي. وقد وضع في لغات ثلاث العربية والعبرية والإنجليزية، وكان بمثابة الدراسة الشاملة عن الفنان عبد عابدي شخصيًا بسيرة حياته، ثم إلى فنونه المتنوعة من المرئيات التي أكدت أن الفنان على درجة العالمية، واستعرض كل من الدكتور أمير عابدي نجل الفنان أبرز معالم حياة والده، منذ الطفولة وحتى اليوم. وتطرق الشاعر الكبير سميح القاسم إلى الكثير من المناسبات الفنية التي جمعته بالفنان، وكذلك التجارب المشتركة من خلال عملهما في وسائل الإعلام وأهمها صحيفة الاتحاد ومجلتي الغد والجديد. أما طال بن تسفي فقد استطاعت أن تلقي الضوء على العديد من الجوانب الفنية والتقييم الفكري والأبعاد الثقافية والظروف الأدبية والفنية التي نشأ فيها الفنان، والتيارات الفكرية التي سادت في الأوقات والأزمنة الماضية، وتمكن الفنان من تخطي العقبات وتذليل الصعوبات التي كانت ستبعده عن فنه وعن شعبه. وفي هذا كتب الفنان سعيد أبو شقرة إرهاصة عن الفنان عبد والدور الذي لعبه برعايته الفنية والإبداعية. وكذلك الفنان غرشون كنيسبل الذي تحدث عن صديقه ورفيق دربه الفنان عبد عابدي، والأعمال المشتركة بينهما وتجاربهما الفنية الغنية.

إن هذا المؤلَف يأتي لإثراء المكتبة العربية بمؤلفات تفتقدها عن المبدعين والفنانين، وقد لاحظنا المكتبة الغربية تزخر بمؤلفات عن فنانين عالميين ومرموقين، فلماذا يطغى على فناننا التغطية والتعتيم والتستر؟ إن فنانًا كعبد عابدي استطاع أن يرتقي إلى المستويات العالمية والمرموقة فنيًا والغنية مضمونًا، فهو جدير بأن يكون موضع اهتمام الباحثين والنقاد والكتاب والمبدعين في دراساتهم وكتاباتهم وأبحاثهم عن الفن المحلي، وعن الفنانين المرموقين والعالميين ومنهم الفنان المبدع عبد عابدي ،

بانيت 26/09/2010

 
أنت هنا: Home صحافة مقالات نايف خوري: عبد عابدي 50 سنة من الإبداع