Font Size

SCREEN

Cpanel

عبد عابدي من حيفا : فنان يرسم ‘مأساة اللجوء‘

تقرير : عمر دلاشة مراسل صحيفة بانوراما

هو الفنان التشكيلي عبد عابدي ابن مدينة حيفا والحاصل على وسام " عزيز حيفا " ، أعماله الفنية تنتشر في القرى والبلدات العربية ،

وأشهرها تمثال يوم الأرض في سخنين ... حكايته مع اللجوء لا تنتهي ولم تتوقف عند كونه لاجئا بل أن ردة فعل اللجوء حولها إلى إبداع فني ، وفي كل مرة تتفتح جروحه من جديد ليطل علينا بإبداع فني جديد هذه المرة بعنوان :"أسرار ، هويات وجوارير : تكريم لشقيقتي في مخيم اليرموك ". ولشقيقته لطفية فصل من فصول المآسي الإنسانية التي عاشتها وتعيشها العائلات التي خبرت اللجوء وعاشته ، هي حكاية تمزق عائلة عابدي منذ عام 1948 وتشتت العائلة في اللجوء ثم العودة وبقاء شقيقته لطفية لاجئة في مخيم اليرموك . بانوراما حاورت عابدي عن أبرز أعماله الفنية وعن ذكرياته وقصة لجوئه التي ترافقه أينما حل ...


" قصة مع اللجوء "
ولد عبد قاسم عابدي في شباط 1942 في حيفا ، وهو رسّام، ومصمّم ونحّات ومدرّس فنون ... في نيسان 1948 هُجّر من بيته مع أمّه ، اخوته، أخواته على متن " الزحافات " البريطانية ، بينما بقي والده في حيفا . خرجت الأم وأولادها من حيفا إلى عكا، ومن هناك أبحروا بعد نحو أسبوعين في سفينة متآكلة إلى لبنان . في البداية كلاجئين في مخيّم " الكرنتينا " في ميناء بيروت، ثم نُقلوا إلى مخيّم اللاجئين " المية ومية " قرب صيدا وواصلوا طريقهم من هناك إلى دمشق . بعد ثلاث سنوات من الترحال بين مخيّمات اللاجئين، سُمح للأمّ وأولادها بالعودة إلى داخل إسرائيل عام 1951 بعد ضغوطات مورست على اسرائيل ، في إطار لمّ شمل العائلات. فيما بقيت شقيقته لطفية كونها تزوجت لشاب من قرية عتيل في قضاء طولكرم إلى أن استقرت في مخيم اليرموك.
في فترة تعليمه الثانوي تعلم الرسم والنحت ضمن ورشات المعلمين ابراهم يسكيل ، تسفي ماروبيتش والنحات مردخاي كفري . كانت أوّل معارضه في تلّ أبيب في 1962، قبل أن يذهب إلى جامعة دريزدن لمتابعة دراسته للفنون ، ففي سنة 1964 حاز على منحة تعليمية في ألمانيا . درس وتخرج من أكاديمية الفنون دريزدن وفي عام 1970 حصل على درجة الماجستير . حاز عابدي على جائزة هريمان من بلدية حيفا كأفضل فنان لعام 1973 ، كما حاز على جائزة أفضل فنان شاب في مهرجان برلين الدولي للشباب ، وحصل على جائزة وزارة العلوم والثقافة في عام 2009 للفن التشكيلي ، وفي عام 2010 قلده رئيس بلدية حيفا وسام "عزيز حيفا ". ارتبط عابدي بزوجة هنغارية أثناء تعليمه في ألمانيا وأنجب منها ثلاثة أبناء ، عاش حياته في حيفا التي تتصارع فيها ذكريات الماضي والحاضر. عندما تصل إلى مرسم الفنان عابدي في حيفا تشعر انك تعود بحيفا سنوات تؤكد على عراقة المكان ومكانته وتتطلع على قصة شعب تتجلى بإبداعات الفنان عابدي وبشكل خاص حكاية اللجوء الماثلة بقوة أمام الزائر ولا سيما استخدام الخيش كخلفية للوحات والصور وللخيش حكاية في حياة عابدي يحكيها ببساطة :"أن أكياس الخيش كانت تشكل بيت اللاجئ الفلسطيني ، فاذكر أننا عندما كنا في مخيم المية والمية في لبنان قرب صيدا بعد اللجوء كان هناك معسكر قريب للجيش الفرنسي وكان هناك مبنى عال فيه بهو واسع وكان على الفلسطينيين تقسيم هذا البهو بواسطة أكياس الخيش المختوم عليها اسم " الاونروا " ... هذه الأكياس كانت دائما حاضرة في حياة اللاجئ الفلسطيني فالمساعدات كانت تأتي داخل هذه الأكياس التي استخدمها اللاجئ الفلسطيني في كثير من الأحيان . وقد أقول إن أكياس الخيش هذه مثلت حقبة من حياة اللاجئ الفلسطيني الذي يذكرها كل من عانى اللجوء ".

كيف تعاملت مع " مأساة اللجوء " خاصة أن شقيقتك لا زالت لاجئة حتى يومنا هذا ؟
أنا أتناول موضوع اللجوء من خلال معارضي البصرية من خلال الفن ، فلوحاتي تحكي قصة لجوئي ولجوء شعب من أرضه ووطنه .

هل ما زلت تذكر تلك اللحظات التي خرجتم فيها من حيفا بواسطة " الزحافات " البريطانية ؟
نعم ... صحيح أنني قد لا اذكر كافة التفاصيل اذ كنت طفلا يبلغ من العمر 6 سنوات لكني أذكر كيف أتيح لنا دخول هذه " الزحافات " من قبل الجنود البريطانيين ولم تطلب منا أصلا أجرة لدخول هذه " الزحافات " ، ولكن العودة بهذه " الزحافات " بعد ساعات أو أيام من المغادرة لم يكن متاحا على الإطلاق ، فحتى العودة مع هذه " الزحافات " من " التشيك بوسط " أو من عكا لم يكن مسموحا . اذكر أننا خرجنا مع جدي نايف الحاج شقيق رئيس بلدية عكا عبد الرحمن الحاج من عام 1920 إلى عام 1928 ، وكذلك كانت جدتي وهي من أصول لبنانية ، وأنزلتنا " الزحافة " في عكا ، وكانت لحظات سريعة ومتسرعة إذ خرجنا بعدها إلى لبنان .

رغم أن والدك بقي في حيفا الا أنكم قررتم اللجوء ومغادرتها؟
نعم كانت تلك لحظات سريعة وعلى حين غفلة ، فلم يتوقع احد على الإطلاق أننا لن نعود إلى حيفا ، فالبيوت تركت على حالها ، وكانت مسألة الخروج المؤقت لأيام فقط لحين انقضاء حالة الطوارئ والحرب متجذرة لدى الجميع ، حيث اعتقدوا أن كل شيء سيعود على حاله فبقيت البيوت على حالها . اليهود الذين سكنوا في بيوت عربية مؤجرة يمكن أن يشهدوا أن من بين أهالي حيفا العرب من ترك بيته وقهوته على النار وغادروا ، فلم يكن هناك مشروع هجرة مخطط إنما هو نزوح قسري لحين زوال خطر الحرب ، لكن الأيام تحولت إلى سنوات والى حالة لجوء عامة .

في عام 1951 عدت انت واشقاؤك ووالدتك الى حيفا لكن بقيت احدى شقيقاتك في سوريا لانها منعت من العودة بسبب زواجها ، فكيف تمكنتم من التواصل معها بعد ذلك ؟
في البداية كان التواصل يتم من خلال الصليب الأحمر عبر الرسائل ولا سيما برامج الراديو التي تشكل حالة فلسطينية فريدة من نوعها ، اذ كنا ننتظر تلك السلامات التي كانت ترسل عبر أثير الراديو في سنوات الخمسينات والستينات وتواصلت حتى السبعينات ، وفيما بعد أتيحت زيارات التواصل وتمكنت شقيقتي من زيارة العائلة لأول مرة منذ عام 1951 ، وكان لقاء عائليا غلبت عليه العواطف وغلفته مأساة اللجوء .

كيف تشعر ازاء ما يحدث مع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك في سوريا في هذه الايام ؟
لقد اضطرت شقيقتي لطفية التي تسكن في مخيم اليرموك وهي اليوم تبلغ من العمر 84 عاما إلى ترك المخيم واللجوء إلى دمشق في شقة ابنتها التي فرت من أتون الحرب في سوريا إلى ألمانيا حيث يسكن أبناؤها ، وأنا أحاول أن أقدم اليوم من خلال الفن في معرض منتصف أيار المقبل أعمالا تتناول قضية اللجوء وليس قضية شقيقتي كحالة فردية .

ألم يكن بالإمكان السعي لإعادة شقيقتك خاصة أنها مسنة وأن طلبا من هذا النوع قد يلقى تجاوبا من قبل السلطات المختصة ؟
أنا ارفض شخصنة مأساة اللجوء ، فشقيقتي لاجئة مثلها مثلا آلاف وملايين اللاجئين ، وقضية معاناتها هي قضية معاناة اللجوء الفلسطيني ككل ، وعليه فليست المسألة في موضوع لاجئة واحدة وحالة فردية ، بل هي مأساة شعب مع اللجوء.

كيف تشعر في يوم الأرض علما أن تمثال الأرض الذي نحتّه مع الفنان غرشون كنيسفل يشكل مزارا سنويا في يوم الأرض وذكرى هبة القدس والاقصى إلى جانب أضرحة الشهداء في سخنين ؟

انه شعور بالفخر والكرامة أنني أديت رسالتي الفنية كما أردتها ، وكما قلت سابقا فقد يكون هذا النصب الذي أقمناه في سخنين هو الشهادة والقسم لانتمائنا الأبدي لهذه الأرض التي استصرخت أبناءها للدفاع عن أمهم الأرض . ان جل ما أتَمناه أن نعي في حرصنا على ما أنجزناه وأنجزه غيرنا من المبدعين لصيانة هذه الأعمال وجعلها رموزا حضارية شاهدة على هذا الانتماء الأبدي لهذه الأرض . بالنسبة لي هذه الجداريات ليست بديلا عن المتحف ، ولقد سئلت عن هذا الموضوع وأجبت في حينه أن العمل الإبداعي يمكن أن يكون مشهدا من مشاهد الحياة الخاصة والعامة من خلال مشاهد على الجدارات ، لذلك اعتبرت النصب التذكارية مشاهد مؤقتة في صيرورة المكان ، وأتصور أنني نجحت في هذا المجال .

كيف ترى تطور الفن في المجتمع العربي ؟
عندما تخرجت كفنان عام 1972 كان عدد من تخرج من كليات فنية ثلاثة فنانين تشكيليين عرب ، واليوم هناك عشرات الفنانين والخريجين سنويا ، لكن ما يؤلمني حقا هو المقارنة بين عدد الفنانين حينها واليوم وبين جمهور السبعينات وجمهور اليوم ، فعدد الفنانين اليوم اكبر من عدد جمهور متلقي الفن التشكيلي وهذا واقع مؤلم ، ولو أن الجمهور تحسن نوعيا لكن تنقصنا الكثير من الأدوات لتطوير الفن جماهيريا ووطنيا . المتحف أو صالة العرض يمكن أن يعززا رسالتنا القومية الوطنية ، ومهما اتهمنا السلطة بالتفرقة العنصرية والاضطهاد القومي لا يمكن أن نغفل تقصيرنا مع الذات في هذا المجال ، فالإبداع الفني ليس مجرد حالة جمالية ، إنما هو أيضا سلم للرقي من خلال الإبداع وعرض الرواية التاريخية والثقافية من خلال الإبداع الفني .

هل تتابع ما يحدث اليوم في سوريا وفي مخيم اليرموك تحديدا ؟
نعم اتابع من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ، ومن خلال الإعلام وأحيانا من خلال التواصل مع الأقارب .

من خلال معرفتك من الأقارب ، ما هو حال مخيم اليرموك والمخيمات الفلسطينية هناك ؟
كما اعرف فان أتون الحرب والمعارك الدموية بين الفئات المختلفة لم تستثن المخيمات والفلسطينيون ضحية ، وهذا ما يحدث في مخيم اليرموك وسواه . بالنسبة لشقيقتي فهي كما قلت تركت مخيم اليرموك إلى شقة سكنية تعود ملكيتها لابنتها التي غادرت تحت وقع المعارك إلى ألمانيا وهي حاليا تسكن بشقة ابنتها لحين عودتها . لكن أوضاع سوريا مؤلمة جدا وكلي أمل أن تنتهي هذه الحالة وعودة الأمن إلى المخيمات الفلسطينية وسوريا في اقرب وقت ، فنحن نعرف المآسي التي حلت في المخيمات الفلسطينية .

لقد تسلمت وسام " عزيز حيفا " عام 2010 كيف تنظر إلى هذا الوسام ؟
أنا ابن مدينة حيفا ولست وافدا عليها ، وهذه رسالتي ، وما أحاول دائما أن أقوله في كافة المحافل . عندما تسلمت وسام " عزيز حيفا " جلبت لهم وثيقة من أيام بلدية حيفا في العشرينات عندما طلب حي " بات غاليم " اليهودي من شقيق جدي عبد الرحمن الحاج رئيس بلدية حيفا حينها إمدادهم بالنفط بسبب تعرضهم لموجة برد قارص . فما اعنيه أنني أقول لهم نحن أصحاب المكان الأصليين وما من احد يمكنه أن يمنن علينا بوجودنا هنا في حيفا.

ماذا تشعر عندما تشاهد بيوت حيفا القديمة وهي بيوت أناس قد تعرفهم ومنهم أقاربك وأجدادك ؟
لا انصح احدا أن يسافر بسيارته خلفي عندما أتجول في حيفا ، وفي البلد القديمة وخاصة وادي صليب وغيرها من المناطق التي بناها الظاهر العمر وهي اليوم منطقة صراع ونزاع واعتبرها منطقة حرام . عندما امر في هذه المناطق أعود بذاكرتي إلى حنين تلك الأيام واعرف جيدا إنني أعطل حركة المرور ورائي وأنا انظر إلى شريط الذكريات في حيفا وعلى هذه الشواهد القديمة المهمشة والمهشمة والمشوهة اليوم .

هل تشعر أن اللاجئين سبقوا أسرى وحبيسي هذه الذكريات والشواهد ؟
لا ... بل هناك ديناميكا لما نريد ، ونحن نستمر في طرق الأبواب دائما . أنا أريد أن تصل هذه الصرخة إلى كافة الأوساط العربية واليهودية ، وكما قال غسان كنفاني في روايته الشهيرة رجال في الشمس " اطرقوا باب الخزان " أقولها اطرقوا كافة الأبواب لتجنيد كل ما يمكن في سبيل تحقيق حلم العودة ، وحتى لدى اليهود فيمكنني أن أقول لهم لديكم الحق في استعادة جنسيتكم الألمانية أو الهنغارية بعد سنوات من مغادرتكم ألمانيا فماذا عن شقيقتي لطفية اللاجئة منذ 64 عاما في مخيم اليرموك ؟ .

 

هذا التقرير نشر في صحيفة بانوراما يوم الجمعة 8.3.2013

أنت هنا: Home صحافة مقالات عبد عابدي من حيفا : فنان يرسم ‘مأساة اللجوء‘