Font Size

SCREEN

Cpanel

“وماذا مع أخته لُطفيّة؟”؛ مقابلة مع الفنان عبد عابدي

|محمد جبالي|

 

يبدو في السنين الأخيرة أنّ المشهد الثقافي الفلسطيني بكلّ تمثلاته في الحيز المدني في مدن الساحل يستحق التمعّن ويحوي العديد من التناقضات. فمن جهة تشهد حيفا على وجه الخصوص ازديادا واضحا في الوجود العربي والتمكين المجتمعي العربي في العديد من الأحياء، ومن جهة أخرى تبدو مخططات البلديّة الآنيّة محاولة لإحياء البلدة التحتى في حيفا بطريقة لا تتجانس مع طابعها المحليّ، وفيها العديد من الجوانب تبدو وكأنها تتجاهل قصدًا الجمهور النامي بوضوح فيها في السنين الأخيرة، بدون دعم مؤسّساتي واضح ألا وهو الجمهور الفلسطينيّ الشاب. ففي حين يشهد الحيّز المدنيّ الفلسطيني في حيفا تطوّرًا ملحوظًا من نواحٍ عدّة تصحبه نهضة فنيّة معيّنة ومستقلة إلى حدّ كبير، لا تقوم مشاريع البلديّة باستقطاب للمزيد من هذا اللون بل تركز مواردها، في المخططات الجديدة، لجذب جمهور شاب “إسرائيلي عام” أي بما معناه جمهور تل أبيبي بالأساس -وبشكل واعٍ أو غير واعٍ- جمهور يهوديّ.

 

 ولكن وكما ذكرت هذا يجعل من المشهد الفنّي الفلسطينيّ في مدن الساحل مشهدا معّقدا. فمن غيّر المفسر بسهولة مثلًا هو كيف يتم قبول مضامين متعلقة بنكبة المدينة الفلسطينيّة أكثر وأكثر في المؤسسات الفنية في مدن الساحل، وسط جوّ عامّ سياسيّ وقانونيّ يرفض هذا المضمون ويحاول تهميشه أكثر من أيّ مرحلة سابقة في العشرين سنة الأخيرة. وهل في وسط الحرب الإعلاميّة الشعواء التي يستخدم فيها عرض مضامين فنيّة فلسطينيّة لإثبات “ديمقراطيّة إسرائيل” في حين يحاول الفنّ الفلسطيني دحض وإثبات خطأ هذه الرؤية؛ فهل في هذه الظروف يجب أن يعد عرض مضمون فلسطينيّ واضح إنجازًا في مقاومة سياسات الإخضاع والأسرلة؟ أم خنوعًا لها وتطبيعًا مع مؤسّساتها؟

 

في أعقاب تجربتي الشخصية بحضور افتتاح معرض تكريميّ للفنان الفلسطيني المخضرم عبد عابدي المُهدى بوضوح إلى أخته لطفيّة في مخيّم اليرموك، وكوني ظننت أنّ هذا المعرض شكّل إحدى تلك اللحظات التي يستطيع فيها الفنّ أن يعبّر عن تعقيدات اللحظة التاريخيّة بقدر كبير من الشموليّة، كونه عرض للنكبة بأكثر الطرق الشخصيّة المؤثرة المُمكنة وتوجيه النظر إلى مأساة مخيّم اليرموك في دمشق بظلّ الأوضاع في سوريا، وكل هذا داخل إحدى تلك المؤسسات التي اكتسبت صبغة صنع “ثقافة التعايش” المموّهة لكلّ ما هو تاريخيّ-فلسطينيّ ذي هويّة واضحة. في أعقاب كل هذا قرّرت زيارة الفنان عبد عابدي في مرسمه لتوثيق رأيه بهذه التغييرات ورؤيته لوضع الفن الفلسطيني في حيفا بضوء معرضه الأخير.

 

- هل تعتقد أن مؤسّسة بيت الكرمة تمرّ بعملية فلسطنة معينة؟ أم أن مضامينها تمّ تحجيمها في السنوات الأخيرة؟

 

عبد عابدي: “خلينا نقول هيك.. بيت الكرمة منذ تأسيسه في عام 1962 وحتى اليوم مرّ بعدة مراحل وتغييرات ليست دائمًا مراحل إيجابية. تنظيم المؤسسة هو قسم من رؤية المؤسسة الإسرائيلية ونظامها ورؤيتهم لطريقة التعامل مع الجماهير العربية، إبتداءً من مكتب رئيس الحكومة ومكتب إدارة الشؤون العربية أو كما ما زال يُسمى: مكتب شؤون الأقليات! فمن ناحيتهم نحن مجموعات من الأقليات بدون قواسم مشتركة.. الاعتبارات الفلسطينية هي مصطلح نحن أدخلناه… بنظرهم نحن ما زلنا أقليات بمعنى طوائف وبالعديد من الجوانب هذه الرؤية الطائفية هي ما يحدد تعاملهم مع القضايا، وللسلطة عدة اعتبارات ومنها: من يكون ويدير هذا الجهاز. وعلى فكرة لم يسبق أن أدار المؤسسة شخص عربيّ!”

 

- والله؟! ولا مرّة مدير تنفيذي عربي؟ طيب شو مع الإدارة؟ في إدارة عربية مستقلة؟ وإلا الإدارة عربية يهودية مشتركة؟

 

“لا، الإدارة مشتركة.. ومليح تسألهم إنت عن هذا الموضوع. ولكن كان فيه مرحلة اللي فيها مؤسسة بيت الكرمة كانت جمعيّة، والجمعية هذه كان فيها عرب ويهود.. وما زال فيها عرب ويهود. لكن المؤسسة اليوم هي ليست جمعية مستقلة أصلًا بل أضحت جهازا بلديا، وللبلدية رأي وحق في التأثير على القرارات وبالأساس تستطيع حتى التأثير على هوية العاملين في المؤسسة فيها. وبجزء من الأمور للبلدية الكلمة الأخيرة.”

 

أتساءل أمام عابدي إذا كان الوضع بهذه الصورة فما تقييمه إذًا لمسيرتنا الفنية والثقافية في البلاد؟ فلا يبدو أننا نتقدم باتجاه استقلالية مؤسساتية تسمح لنا باستقلالية مضموننا وإنتاجنا الثقافي. وما زلنا نحصر ويعاد تحجيمنا المرّة تلو الأخرى بمؤسسات “عربية-يهودية” أو “عربية-عبرية” وكأنّ الكيان العربي في البلاد موجود فقط كتذييل في مؤسسات تعايش “عربي-يهودي” يقوم فيه العربي بدور الآخر في تركيبة مجتمعية إسرائيلية ولا وجود له خارج هذه المؤسسات. فمن أين يأتي “العربي” إلى المؤسسة “العربية-اليهودية”، إن لم يكن هناك كيان ثقافي عربي؟ الله أعلم! يبقى هذا السؤال من أغرب الحالات الهجينة التي يواجهها فلسطينيو الداخل.

 

يجيب عابدي ضاحكًا: “أنت طرحت عليّ أكثر من سؤال! ودخلنا في موضوع يحتاج إلى بحث عميق! وخصوصًا أن هنالك شحّة والقليل جدًا من الأبحاث التي تناولت موضوع الإنتاج الثقافي في المدن المختلطة. هنالك العديد من المحاولات الآنية المباركة ولكنها لا تشكل جسدا بحثيا كافيا. هنالك مثلًا المبادرة في مؤسسة مساواة والتي أشارك فيها والتي تبحث هذا الموضوع وسنلتقي مرّة أخرى الجمعة القادم، والتي نحاول البحث من خلالها مسيرة الفن والأدب الفلسطيني ومساحات مخاطبة الآخر. وهنالك العديد من الأمور التي تحتاج طرح في هذا المجال. وطبعًا في مقابلة من هذا النوع صعب نستعرض كل الشوط والتاريخ بشكل عميق، ولكن دعنا نرتب الأمور كالتالي: الثقافة والفن متعلقان جدًا بمعطيات اقتصادية ماديّة. المجتمع الفلسطيني في الداخل مرّ بالعديد من مراحل التطور. من مجتمع ريفيّ بطبعه الغالب تشغله أساسًا مصاعب البقاء على قيد الحياة، إلى مجتمع يصبو إلى العلم والثقافة والتقدم. فلو نظرنا إلى كفر ياسيف قبل عشرين عاما على سبيل المثال كانت تشكل فيها نسبة المثقفين من أعلى النسب العالميّة وإذا نظرنا إلى كفر قرع اليوم نرى أن نسبة الأكاديميين فيها نسبة إلى عدد السكان هي من أعلى النسب في العالم.

 

“وطبعًا هذه المعطيات تواجهها العديد من الإشكاليات والتساؤلات حول المرحلة الحضارية والثقافية لهذا المجتمع. فمن بعد النكبة ما تبقى في إسرائيل هو مجتمع مكوّن من 150,000 ساكن. بالأساس كان الحديث عن 90,000 ساكن وفي مفاوضات رودوس مع الملك عبد الله تم ضم وادي عارة فأصبح العدد 150,000. والحديث عن بشر قسم كبير منهم هم لاجئون في بلادهم. وتصور أن هذه الأقلية المهزوزة والمشتتة آنذاك استطاعت تخطّي العديد من الحواجز الثقافية والبشرية والوصول إلى مرحلة معيّنة من الرقي المجتمعي. من الصعب التطرق إلى كل تعقيدات وتناقضات الوضع المادي ولكن ما ذكرناه الآن هو أمر واقع. أضف إلى ذلك أن الحديث عن نخبة ثقافيّة نشأت من لا شيء! ففي النكبة اختفت الطبقة المثقفة الواعية من تركيبة المجتمع وما تبقى هم الناس الإعتياديون الذين وجدوا أنفسهم في نظام حكم عسكري استمرّ من عام 48 إلى 66، وهنا مهمّ أن نلاحظ مستوى وعمق النهضة الفرديّة التي قام بها الفرد الفلسطيني في وطنه. لذلك كل المشاريع التي نفحص هل تقدمت أم لا عمليّا نشأت من الصفر. فلو أخذنا الفن التشكيلي كمثال وسيرتي الشخصيّة كمثال فردي، فأنا من مواليد عام 42 وتم تهجيرنا في 48 لنعود إلى حيفا وأشق طريقي في موضوع لم يكن له رصيد وبالكاد وُجد حتى في حيفا الإنتدابيّة!

 

“فلذلك لو كان الحديث عن أديب جهشان والمسرح “الناهض” الذي نشأ كمسرح مستقل هنا في جيتو وادي النسناس في أوائل الستينات، أو لو كان الحديث عن مسيرتي الشخصية في تلك السنين، فنحن نتحدث عن نشأة بظروف مماثلة تحت حكم عسكري.”

 

- أنت عمليًا قمت بأول معارضك سنة 1962 في تل أبيب أيام الحكم العسكري؟

 

“نعم، أنا قمت بأول معرض لفنان عربي في تل أبيب (ما بعد النكبة) سنة 1962. صحيح أنّ المرحوم الفنان عاصم أبو شقرة أصبح فيما بعد أحد شخصيات البوهيمية التل أبيبية، وهو فنان قادم من أم الفحم، ولكن هذا حصل بعد سنين على معرضي في 1962 في نادٍ متواضع كان اسمه “نادي الأخوّة”، في شارع برينير. وقُبلت لرابطة الفنانين الإسرائيليين، وأوكي هي بالأساس رابطة يهودية، ولكن كنت أول عربي عضو في الرابطة، وأول عربي يقيم معرضا متواضعا في تل أبيب، ولم أصدق حينها عندما حضر معرضي كبار الفنانين الإسرائيليين: روبين روبين وناحوم غوطمان!

 

“ومن عمر التاريخ كل ما نذكر هو نقطة بسيطة جدًا من عمر التاريخ، من نشأتي في السنين الأولى بعد النكبة، إلى تعليمي في “أكاديميّة الفنون الجميلة” في برلين في ألمانيا الديمقراطية، من أهم أكاديميات الفنون في أوروبا، وفي نفس الوقت أو حتى قبلي بقليل يتخرّج من جامعة بيتسلئيل فنان فلسطيني من الرينة إسمه إبراهيم إبراهيم، وبعدها بقليل يتخرّج فنان من وادي عارة اسمه عبد يونس… ومن بعد وليد أبو شقرة يدرس في بريطانيا… وهكذا تخيّل أنه كونّا أفراد معدودين في الفن التشكيلي والمسرح وشكّلنا نواة لقاعدة نشأت عليها أجيال من الفنانين، وكل هذا بدون أيّ دعم أو تخطيط سنويّ. يعني تخيّل أنه على مستوى دوَل يتم بناء مثل هذه المشاريع بتخطيط سنوي وبدعم مستمر وملحوظ، ونحن جابهنا الصعوبات وتخطيّنا الحواجز وأنشأنا مشهدنا الفنّي المتواضع بدون أي دعم من مؤسسات الدولة!

 

“وتذكّر: بأنه لا أحد، لا من جهاز الدولة ولا من الجهاز التعليمي ولا من الجهاز الثقافي، كان معنيّا بأن يرى مثل هذه الكوادر تنشأ على الساحة! وهذه النخبة شكلت أمرا واقعا أمام المؤسسة بوجودها في المشاهد والأجهزة التعليميّة والتربويّة والفنيّة وما إلى ذلك. وهنا يوجد إنجاز في مجالات قد تبدو للبعض إنجازات فردية، ولكنها ليست فرديّة. فهي جزء لا يتجزأ من سيرة مدننا وقرانا والتغييرات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني بالداخل. وهذه النخبة من الكتّاب والفنانين شكلت مطلبا ملحّا أمام أجهزة الدولة إن كان بالأصعدة الفنيّة وإن كان بالمطالب السياسيّة. وهؤلاء الرواد في الفن التشكيلي والكتابيّ والمسرح شكّلوا قاعدة بُنيت عليها ونشأت عليها أجيال! وهنا من المهمّ أن نتطرق أيضًا للتغييرات على مدار السنين في جوانب إستهلاك الفن، المتعلقة بتطور المجتمع الفلسطيني ذاته وديناميكياته الداخلية وتطوره على مدار السنين من فترة اللجوء والحكم العسكري مرورًا بكونه أساسًا مجتمعا عماليّا يهجر قراه باكرًا للعمل في تل أبيب ليعود إليها مساءً كالطيور تعود إلى أعشاشها، إلى أن بدأنا نشهد نشوء طبقة قادرة أكثر وتطور في المشهد الفنيّ من نواحي علاقة استهلاك الفنون.

 

“وصحيح أنّ الدولة تتعامل معنا كأقلية مستضعفة ومهمشة، وأننا بقوانا الذاتيّة نبني أنفسنا، وأنا مدرك تمامًا بأننا نعيش في دولة عنصرية فيها العديد من سمات الأبارتهايد بل وتتخطاه أحيانًا، ولكن هنا في هذه النقطة، وخصوصًا على الصعيد الفنيّ، يجب أن لا نتناسى مبدأين أساسيين، برأيي، أولًا أن نكمل الطريق بالاتجاه العصاميّ المستقل ببنائنا لذاتنا، إن كان ببناء صالات العرض والمتاحف، وهنا تجدر الإشادة بإصرار سعيد أبو شقرة وإلحاحه المتواصل بالمجهود لإقامة متحف فلسطيني في أم الفحم، وعلى فكرة الإصرار أن يكون متحفا شاملا يخدم جميع الفئات والطبقات عربًا ويهودَ، وبهذا هو يستحق كل الدعم. وثانيًا أن لا نهمل مخاطبة الآخر وأن نخرج من دائرة الإنعزالية. وأن لا نرى بمخاطبة الآخر مشروعا مشروطا فقط من منظور أنه يمكن أن يجعلنا عُرضة للدولة ويمكن للمؤسسة استغلاله وتشجيع الأسرلة، فهذا يؤدّي بنا إلى التقوقع! ولكن دعنا نركّز على النقطة الأساسيّة التي تواجهني والتي أطرحها دائمًا والتي أنت قمت بطرحها أيضًا ونحاول أن نُجيب على السؤال الأساسي الذي طرحته: هل في دولة تحمل كل هذا الكم الهائل من العنصريّة وتحمل سمات الأبارتهايد، هل في هذه الظروف علينا التواصل مع الآخر؟ وأنا أعتقد أن الجواب هو: نعم! بالإمكان.

 

“خليني أحكيلك شغلة… في هذا المكان الذي نجلس فيه الآن كان يجلس الكاتب والروائي طيّب الذكر إميل حبيبي. وأنا طبعًا كنت فترة ليست بقصيرة أحرر الأخبار الفنيّة بجريدة الإتحاد، وأرسم وأصمم غرافيكا للجريدة.”
- وفي “الجديد” وبباقي إصدارات الحزب الشيوعي مزبوط؟

 

عبد عابدي، فاطمة أبو شرش، "مقيمة غير قانونية"، طباعة وأكريليك على ورق، 2012

عبد عابدي، فاطمة أبو شرش، “مقيمة غير قانونية”، طباعة وأكريليك على ورق، 2012

 

“نعم.. نعم.. وأنا وإميل حبيبي تشاطرنا هذا المكتب/استوديو لسنين طويلة، يفصل بيننا هذا الحائط الذي نجلس جنبه. هو يستعمل هذه الغرفة التي نجلس فيها كمكتب لدار نشره “عربسك” وأنا أستعمل الغرفة المجاورة كمرسم. وكانت علاقتنا معقدة بعض الشيء. فأنا كنت موظفا في الجريدة والمجلات وهو محررها أغلب السنين، ولأسباب شخصيّة لا أود ذكرها عكّرت صفو علاقتنا مرت علاقتنا بفترة طويلة فاترة وفوق هذا كله أنا كنت المستأجر لكامل المبنى على غرفتيه واستمررنا بمشاطرة مساحة العمل هذه.
“وفي يوم من الأيام يفاجئني وهو يدق الباب ويطلب محادثتي، بصوته الجهور، على غير العادة تلك الأيام لاستشارتي بموضوع قبول “جائزة إسرائيل” أم لا! وكانت الأيام أيام حكومة يتسحاق شامير، وأنا وجدت نفسي بموقف مماثل عندما كان غالب مجادلة وزير الثقافة والرياضة، حين رشحتني الناقدة وأمينة المعارض طال بن تسفي، والتي تقوم اليوم بدور نائبة رئيسة كلية الفنون بتسيلئيل، وقامت بتقديم طلب لمنحي جائزة وزارة الثقافة. وهي آنذاك قدمت طلبين: طلب لبلديّة حيفا لإنتاج ونشر كتاب يلخص أعمالي تحت عنوان “خمسون عامًا من الإبداع” وطلب آخر لوزير الثقافة. وأوكي أنا حصلت على هذه الجائزة.

 

وقد يُسأل هنا السؤال: هل يتوافق نيّل الجائزة مع موقفك السياسي؟ موقفك الوطني؟ ولكن مقابل هذا السؤال أنا أبقى مع السؤال المقابل وهو طالما نشكّل 20% من مواطني الدولة (وندق على الخشب، اللهم لا حسد)، وندفع الضرائب الحكوميّة والبلديّة.. ولدينا شتى المطالب الحقوقيّة من الدولة على جميع الأصعدة.. ويوم من الأيام طالبنا حتى بالإنضمام إلى الهستدروت! والهستدروت كانت “نقابة العمال العبريين في أرض إسرائيل” هذا كان عنوانها وشعارها! العرب لم يكونوا أعضاء بالهستدروت ولاحقًا إنضموا.. واذا كنّا نمارس ومارسنا كجمهور عدة جوانب من المواطنة والنضال داخل هذا الإطار، وعلى فكرة تجاهلنا من قبل الدولة هو أمر يأتي بالضرر على الدولة ككل! وعلى الدولة أن تتعامل معنا بدون تجاهل أننا كادر هام وجزء مهم كما نحن بالواقع، ولكن الأهم أنه في ضوء كل هذه المعطيات، وكوني أحمل مواطنتي محمل الجدّ، وأحرص على كوني شخصا بناءً للمجتمع حوله، وبنفس الوقت معتز بفلسطينيتي، وأنا لست فقط “ساكن في حيفا” بل بكل معنى الكلمة حيفا تسكنني.. وتعود جذور عائلتي إلى تأسيس حيفا على يد ظاهر العمر. وعلى فكرة أخو جدّي من طرف والدتي كان رئيس بلدية حيفا في العشرينيات من 1920-1928. وأنا لم أهاجر لهنا بل الدولة هي من هاجرت إليّ.. وأنا أترفع عن كل التعريفات “فلسطينيو الـ48″ و “فلسطينيو الـ67″ و”فلسطينيو الـمخيّمات” .. وإن كانت لهذه التسميات فروق عمليّة بالواقع.. ولكن أنا ببساطة، وحتى حين أكون بالخارج، فلسطيني من حيفا تحت دولة إسرائيل. وفي هذه الحالة رفض الجائزة من ناحيتي كان سيشكّل رفض إستحقاق أكسبه بجدارة على المستوى الرمزي والماديّ أيضًا.

 

“أنا مرّرت بتجارب عديدة على فكرة، كوني فنانا فلسطينيا عضوا في رابطة الفنانين الإسرائيليين مع عدد قليل من الفنانين العرب الموجودين بالرابطة، وكنت فعّالا ونشيطا، وقمت بنشاط رائع بتعريف الفنانين على مشاكل الفنّانين في المناطق المحتلة. وسافرنا إلى غزة تضامنًا مع الفنان فتحي غبن الذي سُجِن بسبب اللوحة التي رسمها واستعمل فيها ألوان العلم الفلسطيني.”
- لوحة البطيخ؟

 

“نعم، لوحة البطيخ.. وتظاهرنا هناك في المخيّم، فلسطينيين ويهود تقدميين. وأقمنا أول معرض لفنانين فلسطينيين في حيفا، ونائب رئيس الكنيست في حادثة مشهورة سنة 1979 قام بتمزيق لوحة فنان إسرائيلي لاشتراكه بمعرض فنيّ فلسطيني-إسرائيلي مشترك. نائب رئيس الكنيست يدخل المعرض مع مجموعة من البلطجيّة والزعران ويقومون بتمزيق لوحة الفنان الإسرائيليّ. وأنا أقمت النصب التذكاري لشهداء يوم الأرض عام 1977، وقد صُمّم في 1976 ونفذنا العمل في 1977 بمشاركة فنان يهودي إسمُه جرشون جنيسفيل. وهذا واحد من الشواهد الهامة والضخمة ولأول مرّة كان يقام نصب تذكاري في الحيّز العام الفلسطيني! وعلى النصب التذكاري كتبت جملة لسميح القاسم، أسماء الشهداء، وفي الجانب الآخر كُتِبت جملة باللغات الثلاث: العربية والعبرية والإنجليزية بأنّ هذا العمل من إنتاج عربي-يهودي مشترك لتعميق التفاهم بين الشعبين.

 

“وفي الآونة الأخيرة ومع ثقافة الفيسبوك، وفي جدال إفتراضي على صفحة أحد الناشطين في موضوع بيع خان العمدان في عكا، يكتب أحدهم: وين الوطنيّة هاي لمّا هيك عمل بيتم “مع الناس اللي ذبحوا الشعب”! وإنك تصل لمثل هاي الدرجات من الخلط بين الأمور والتعميم بين فنان مشارك في نصب تذكاري تخليدًا للشهداء وبين الجنود والمؤسسة الذين “ذبحوا الشعب” هو مجرد غباء وجهل! وبنهاية المطاف لا بُدّ أن تجد المزاودين والإنتهازيين على أيّ عمل وهم كثر.

 

- من الصعب لمن هم في جيلي أو حتى أكبر منّي بجيل أو أصغر منّي بجيل أن يستوعبوا الكم الهائل من التناقضات…

 

“أنا أعتبر أنه توجد هناك مجالات للتعاون بين الفئات المسحوقة من جهة وبين الجهات المتنوّرة والمتقدمة من جهة أخرى، وأنه لا توجد أمامنا أي طرق أخرى. ونحن أجبرنا مؤسسات الدولة أن تعترف بوجودنا وبكياننا وبأنّ لنا صوتًا. من فترة المصطلحات المتحدثة عن “الأقليات” إلى اليوم حيث صوتنا الفلسطيني واضح. ونحن نشكّل جماهير معيّنة هنا قد تختلف سماتها عن السمات الفلسطينيّة في الضفة الغربية أو غزّة أو مخيمات اللجوء، بفعل واقع المعيشة المختلف، ولكن بدون أدنى شك نحن جمهور وشعب فلسطيني لم يترك بلاده ومن الواجب على الفرد في هذه الحالة التمسك والاعتزاز بانتمائه ولكن هذا لا يتعارض بتاتًا مع كون واجب الفرد أن يدعم المطالب الإنسانيّة، وأن يوّضح وجود شعبين هنا، لا أقليات. وبالطبع لا تخلو رفوف مكاتب السلطة وجواريرها من المخططات لتقليل عدد الفلسطينيين في البلاد، إن كان بمخططات تبادل أراضٍ ومخططات تبادل سكان ومخططات ليبرمان وأشباهه، ولكن قد يكون هذا من الغباء والهباء أن يعتقدوا أن ينجحوا في ذلك! فنحن هنا وسنبقى هنا.. ولكن الأسبقية والأصلية بالوجود هنا لا يجب أن تجعلنا نقف موقف المعاير للآخر فقط. بل مطالب المساواة ومطلب العدالة الاجتماعية أن يكون مطلبنا لكل الفئات! وهذا لا يتناقض مع خوضنا معركة وجوديّة في بلد نحن متجذرون فيه.

 

- دعني أتوجه لموضوع أكثر مباشرة… أنا من جهة معيّنة تعاونت مع بيت الكرمة حين طلبوا منّي تجهيز وصلة موسيقيّة تليق بمعرضك الأخير (وهذا كان شرف لي) ولكنّي وجدت نفسي أمتنع عن المشاركة في مراسيم عيد الأعياد بشكل مباشر كون أغلب الرفاق في حيفا رفضوا ذلك، ومن مبدأ “أهلُ مكة أدرى بشعابها”.. وها أنا أجد نفسي على الرغم من ذلك أجري معك مقابلة سيتم نشرها في فعاليات البلد التحتى وهي مشروع آخر لبلديّة حيفا..

 

“مفهوم مفهوم.. موقفك مضبوط وسليم.. دعني أقول إن الإشكاليّة واجهتني بما يتعلق بمكان سكني في وادي النسناس.. وكل الفكرة والتخبطات كانت من جانبي كيف لي أن أرفع من مكانة هذا الحيّ وأن أغيّر الصبغة السلبية عنه وأن أفتح أمامه الأبواب لتفاعل أحسن مع محيطه، ولكن يبدو أنّي أخفقت بالتصوّر.. لماذا؟ لأنّ النوايا الطيبة لا توصل دائمًا إلى جنة عدن. فتبيّن لي بشكل غير مباشر أنّ الترويج لموضوع وادي النسناس قد يوفر فرصة مناسبة للمتاجرين بالعقارات للمتاجرة بالحيّ بما لا يخدم مصلحة ساكنيه. فالقيام بفعاليات ثقافيّة بالحيّ، ومن خلال فعاليات متعدّدة الثقافة عربيّة-يهوديّة، كان فيه الكثير من الجوانب الإيجابيّة وهذا مشهد لا يحدث في كل مكان بالعالم. ومن شأن الفن التشكيلي، أو الفنّ المرئي والمسموع، أن يفتح آفاقا أمام السكان. ويجب أن نتذكر أنّ الحي وجد بالأساس كمعسكر! كمعسكر مغلق يحيطه الجيش في عام 1948. ويمكنك أن ترى اليوم حدود ذلك المعسكر يُعاد إنتاجها مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة بشكل متحضّر، من خلال الفعاليات الإحتفاليّة المقامة فيه. لذلك أنا أتخذت موقفا لا يرفض التعاون العربي اليهودي، لا، بل أنا ما زلت أدعو لإقامة فعاليات من هذا النوع في جميع الأحياء.. وأنا ناشط اليوم في حيّ آخر وهو بستان الخياط، من أجل الضغط على البلدية من أجل إعادة ترميم حيّ بستان الخياط والمحافظة على وجود السكان العرب هناك. ولكن مضاعفات الموضوع في وادي النسناس، طالما هناك إشكالية شركات المساكن الشعبية الإسرائيليّة أمثال “عميدار” التي تقوم بالمتاجرة بأملاك فلسطينيّة الأصل بنفس الوقت الذي لا يتاح فيه للفلسطينيين سكان الحيّ أي تسهيلات لمنح أو قروض تسمح لهم بشراء عقارات والبقاء بالحيّ، فهذا يخلق وضع فيه إشكالية أخلاقيّة كبيرة.

 

- ما قلته الآن يلخص شعوري حاليًا تجاه المخططات البلديّة في حيفا. يعني شعوري أنه هناك عمليّة “نسخ-لصق” لما حدث في يافا. ترويج لصالات عرض وفنانين ليجعلوا من أحياء معيّنة أحياء جذّابة لسكّان جدد بدون توفير تمكين للسكان القدامى في الحيّ وناهيك عن التفكير بحقوق العرب في التخطيط المدنيّ أصلًا! وفي هذه الحالة يعمل الفن “متعدد الثقافات” بالحيّز العام ضد أجندته نفسه إن شارك بالمشاريع بشكل متلهف وغير واعٍ..

 

“مضبوط لحدّ ما.. ولكن يجب أن لا ننسى أن هذه أولًا ظاهرة عالميّة.. وتحدث في أماكن لا تحمل حتى كل هذه الحدّة والتوتر من الصراع بين القوميات. وممكن أن يحدث هذا في بريطانيا وألمانيا أو مكان آخر على فكرة. أينما وُجدت الأحياء الضعيفة يتم استضعافها واستهدافها بمثل هذه المخططات. وما تقول هو مقبول عليّ وأظن أنه صحيح. وأظن أنّ هناك شعورا بتخطيط الحدّ من الامتداد العربيّ في حيفا اليوم. وهناك استبعاد معيّن لمشاركة العرب في مثل هذه المخططات الجديدة. ولكن يبقى علينا أن نعمل في خطيّن متوازييّن: أولًا إكمال النضال والاستمرار بمناهضة المشاريع والتوعيّة والتعبئّة الجماهيريّة. وثانيًا: مهم وما من ضررّ بالاستمرار في مخاطبة الآخر وإقناع كل من يسمع بعدالة قضيتك. وبنفس الوقت أن تكون عنيدا في طرح الأمور وكشف الإشكاليات في المخططات العنصريّة. ولكن لسنا المستضعفين الوحيدين في هذه المعادلة ويجب أن لا ننسى ذلك!

 

“وبالطبع لا يخفى على عاقل المبنى العرقي-الديني العنصري لهذه الدولة وأجندتها! ولكن هذا لا يجب أن يخلق لدينا شعورا بأنه كوننا فلسطينيين فإذا لا دعوى لنا بهذه المخططات وبالمشاركة بمحاولة تغييرها. بل على العكس؛ هذا يجب أن يكون دافعنا بالمشاركة! لا يمكن أن نقف موقف “لا ناقة لنا فيها ولا جمل”! بل لنا جزء وحصة من هذا كلّه برغم أنوفهم! وعلينا تحصيله والاستمرار بالمشاركة أينما استطعنا لذلك سبيلًا بالذات لمناهضة محاولات إقصائنا! وأنا كساكن في حيفا أدفع الضرائب وأطالب باستحقاقاتي كاملة! ونحن من أجل دولة تخدم جميع مواطنيها.”

 

- آخر سؤال لننهي حديثنا: كان لي مفاجئا كالصاعقة أن أدخل معرضك الأخير وأن أرى الإهداء إلى أختك في مخيّم اليرموك. كان شعوري في ظلّ الجو السياسي في البلاد وفي ظل وضع مخيّم اليرموك في السنة الأخيرة، أنه لم يكن هناك بالإمكان إنتاج مضمون فنّي أصدق للّحظة من هذا المعرض! وهذا ما دفعني لإجراء كل هذا الحديث التاريخيّ معك. ونحن بجوّ سياسيّ لا نُحسد عليه! فكيف ترى هذه التناقضات من جهة؟ ومن ناحية أخرى هل كان بالإمكان عرض هذه المضامين في الماضي؟ قبل عشر سنين؟ عشرين سنة؟

 

“… لا لم يكن بالإمكان عرض هذه المضامين بالماضي. لا أتخيّل موافقة على مثل هذا المعرض قبل عشر سنين وبالتأكيد لا قبل عشرين سنة.”

 

- إذًا كيف تشرح هذا؟

 

“أولًا كما تحدثنا في البداية.. أظن أن بيت الكرمة أراد تكريمي على علاقتنا على مدار سنين وأنا استغليّت الفرصة قدر الإمكان. والأهم من هذا: ما نيّل المطالب بالتمنيّ! نحن اليوم على فكرة نجلس ونتحدث عن “فنّ فلسطيني” في إسرائيل! ومتى كان ذلك ممكنا أصلًا!؟ بالكاد بالكاد كان بالإمكان أن نتحدث عن “فنّ عربي” في إسرائيل! والآن في المتاحف، نرى هنا وهناك نجاح بعض أمناء المعارض في إدخال هذه المضامين وبكلّ وضوح في متاحف البلدات اليهودية حتى، مثل معرض طال بن تسفي “رجال في الشمس”، ومعرض رونا سيلاع “فن بالمدن ثنائية القوميّة”، وبعض المعارض الأخرى. ولا أعتقد أنّ هذا صدفة. بل هذا نتيجة سنوات من النضال.
“ولا يجب أن نتوقف عن المطالبة وعرض موقفنا بقمة الصراحة. مثلًا أحد المواضيع التي يجب طرحها في كل مناسبة ولا تنسى ذكرها في المقال: كيف يمكن لبلديّة حيفا أن تملك خمسة متاحف بلديّة ولا حتى غرفة واحدة للفن الفلسطينيّ؟ وكيف من الممكن أن لا تحوي مجموعة البلدية أعمالا لفنانين عرب ولا تحوي ولا واحدة من لوحاتي أنا شخصيًا حتى؟”

 

- ولا مضامين نكبة على كل ما تحمل من حساسيّة…

 

“لا؛ من كان يحلم بعرض هذه المضامين في السابق! دعني أحكي لك مقارنة بين حالتين تاريخيتين: في عام 1972 حصلت على جائزة هرمان شتروك التي تقدمها بلديّة حيفا لفنانيّن مرة كلّ سنة. وكان رئيس البلديّة آنذاك من اليمين وليس فقط أنه تغاضى عن منح الجائزة لفنان عربيّ منذ البداية، ولكن وقعت عندها حرب أكتوبر وأصبح الجو العام مشحونا لدرجة تناست فيها البلدية بشكل وقح كوني حصلت على الجائزة أصلًا. وأنا لم أتنازل وجنّدت من استطعت تجنيده من الفنانين والسياسيين لإقامة ضجّة حول الموضوع، وأنّ هناك فنانا عربيا اسمه عبد عابدي حاصل على جائزة هرمان شتروك وأنّ رئيس البلدية لم يتكرم حتى الآن بمنحه الجائزة. عندها يصلني خبر من رئيس البلدية أنه على استعداد لمنحي الجائزة ولكن بشروط: أن أحضر إلى البلديّة يرافقني ما لا يتعدى الشخصين أو الثلاثة، وأن لا يتم تبليغ الصحافة بهذا الأمر. ومن يأتي معي آنذاك لمواجهة هذا الموقف المشحون؟ يرافقني ويشجعني على الذهاب لاستلام الجائزة طيّب الذكر د. إميل توما. وهكذا ذهبنا ثلاثة: د. إميل توما وأنا وزوجتي لاستلام الجائزة والصورة الوحيدة تم التقاطها من قبل مصوّر البلديّة. وهل تظن أنه آنذاك كان أحدهم سيعرض لي معرضا مهديًا “إلى شقيقته في مخيّم اليرموك”؟ هذا السؤال الذي يتركه معك معرض من هذا النوع هو سؤال مدوٍّ وضاجّ في الفضاء الإسرائيليّ: طيّب شو مع لطفيّة؟ ماذا مع أختي؟

 

“هذا الموضوع والتحول أتى أساسًا لأننا أثبتنا وجودنا كشعب أولًا وكفنانين ثانيًا. فنحن الآن فنانون معروفون عالميًا ومن الصعب تكنيسنا تحت الطاولة كما في السابق. والأهم أننا لم نتمسكن ونتواضع في مطالبنا، بل حصلنا على ما حصلنا عليه بحقّ. والأمر الأخير الذي من الممكن جدّا أنه يلعب دورًا هنا، هو أنّ الأمر يتعلق في أيامنا بما يُسمّى العلاقات العامة! لا يمكن إلغاء هذا العامل من المعادلة وهو مُحيّر. رئيس البلدية الحالي كان على علم بمضمون المعرض، ولكن حتى يتجنب إنتقادات حول هذا الموضوع في فترة إنتخابات بلدية، كانت جملته الثانيّة مباشرةً بعد تحيّتي، عندما حضر الإفتتاح، هي: “أود أن أقول لكم إن على طاولتي في مكتبي في بلديّة حيفا ما زالت هناك الورقة من الصحيفة آنذاك في 1948 والتي تذكر نداء رئيس البلديّة للعرب بأن يعودوا إلى بيوتهم بعد الحرب!” فهو شعر بأنه لا يستطيع حضور مثل هذا المعرض بدون تنظيف نفسه من المسؤولية الجماعية عن تهجير عرب المدينة! ولكن هذا المعرض لاقى نشرا وتعميما على أصعدة عالميّة ولا يمكن إخفاؤه تحت الطاولة.”

 

- ولكن ألا يؤرقك سؤال العلاقات العامة هنا؟ أليس من الممكن أن تكون المضامين الفلسطينية الفنيّة هذه وحتى مضمون صارخ من هذا النوع هي مجرد لعبة علاقات عامة ليقولوا بعدها: ما زلنا الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط؟

 

“أعيد ما قلته، بأنه لا يمكنني الجزم بنواياهم هم ولا بنوايا المؤسسة. ولكن من جهة لا يمكن إنكار أنّ هناك أشخاصا داخل المؤسسة تهمهم الجوانب الإنسانيّة حقًا، هذا أولًا، وهم بأغلبهم موجودون ومحصورون عادةً في أقسام الفنون. ومن المضحك أنه لربما كان وضعنا أفضل لو تواجد مثل هذا النوع من البشر، أو لو كان عندنا نحن تعيينات أكثر في أقسام التخطيط والبناء. هذا من جهة. ومن جهة أخرى أظن أنّ هناك حالات يلعب فيها الفن دورا لا يمكن التلاعب به وتقويضه. في هذه الحالة ومع نشر رسالة المعرض محليًا وعالميًا وحتى لو كان هدفهم من ذلك هو مجرد علاقات عامة، سيبقى كل من سمع عن المعرض أو حضره مع سؤال رنّان لن يفارقه وهو: إذًا ماذا مع أخته لُطفيّة؟ ماذا مع اللاجئين؟”

 

(المقابلة نشرت بالعربية والعبرية في المجلة المطبوعة لموقع “عرف-راف” عشية افتتاح المعارض الفنيّة في حيفا التحتى)

أنت هنا: Home صحافة مقالات “وماذا مع أخته لُطفيّة؟”؛ مقابلة مع الفنان عبد عابدي