Font Size

SCREEN

Cpanel

تشكيليون فلسطينيون: الفنان عبد عابدي

خاص بمؤسسة فلسطين للثقافة

عبد الله أبو راشد*

 

الفنان التشكيلي الفلسطيني (عبد عابدي) من مواليد مدينة حيفا عام 1942، مواهبه الفنية المتعددة، وفسحة معارضه الفنية الفردية التي سبقت دراسته الأكاديمية، مكنته من وضع بصمات مميزة في مسيرته الحركة الفنية التشكيلية داخل فلسطين وفي المهجر، متابعاً الدراسة الأكاديمية في ميادين فنون الاتصالات البصرية والحفر والطباعة اليدوية بجامعة دريسدن الألمانية، والتخرج منها عام 1972 والعودة إلى فلسطين، والعمل في مجالات التصميم والرسوم الجرافيكية والتصويرية والمنحوتات، باعتباره فنان متعدد المواهب والمناقب التشكيلية، وحصد على هذا التنوع التقني  في العروض الفنية المحلية والدولية العديد من الجوائز التقديرية داخل فلسطين المغتصبة وخارجها.

 

هو فنان فلسطيني موصوم بتنوع الأبعاد الفنية التشكيلية، وثقافة بصرية واسعة الطيف المرئي،  مواهبه وخبرته الأكاديمية والمهنية جعلته واحداً من الفنانين الأكثر تميزاً في ميادينه المبتكرة، ومنحته فرادة وصف وخصوصية تأليف وتشكيل وعمق تجربة في الأساليب والتقنيات والأفكار الموضوعية المطروحة، والمنتمية بشكل ما أو بآخر إلى ذاكرة مكانه الفلسطيني المعايش والمقاوم بكل ما فيه من جماليات وتجليات مشاهد وصور. مفتوحة شهيته الفنية على تصوير معالم الشخوص الذين عبروا في مساحة وعيه وخياله، واحتلوا مكانة تليق بمواهبه، منثورة في سياق لوحات جدارية تصويرية أو حفريات مطبوعة بعراك الأبيض والأسود، أو مشاريعه النحتية متعددة الخصائص الشكلية. 

أعماله عموماً سابحة في أتون المدارس والاتجاهات الأوربية الغربية والمدرسة التعبيرية الألمانية خصوصاً، ولوحاته التصويرية محمولة بالرمز والتفاصيل الشكلية متعددة الخطوط والملونات، تدور في فلك الواقعية التعبيرية، والتعبيرية الرمزية، وتبحث عن خفايا الإنسان الفلسطيني، وملامحه الإنسانية المعشبة بتفاصيل الحياة اليومية وطرق المعاناة، ومواجهة أقداره أحداثه المحيطة الجسام لاسيما المغتصب الصهيوني، تلامس في مضامينها مواضيع شتى، تأخذ بناصية الموصوف الشكلي المتناسل من صفحات التاريخ، وتجليات التراث الشعبي العربي الفلسطيني، ومضمنة لوحاته بفيض واسع من الخطوط المتعانقة والحاضنة لمساحات ملونة بسيطة الوقع التقني.

لكنها حافلة بالشفافية وسمات الهموم المرسومة في الوجه وحركات الأيدي، وتداعيات التداخل اللوني ما بين طبقة وأخرى، وحساسية لون وآخر دسامة أو شفافية، حدة لونية حارة وصارخة، أو باردة وهادئة، مسكونة جميعها بالاتجاهات التعبيرية الرمزية ذات النفحات الإنسانية، الحبلى بالتعبيرات الحسيّة الموصوفة في حركة الأجساد وتعبيرات الوجوه، والنسوة خصوصاً داخل أسوار كل لوحة من لوحاته، تحاكي المجتمع الفلسطيني ومشاكله وأمانيه وطموحه.

تندرج في متنها وبيانها البصري مجموعة من الحالات الشكلية اللصيقة بالعمال والفلاحين والحالمين بغد أفضل، وجوه من جميع فئات الشعب العربي الفلسطيني وطبقاته، صاغها الفنان بأسلوبيته التعبيرية الخاصة، التي تُعطي للإنسان الموصوف قيمة شكلية وجمالية ومكانة فكرية كبرى، تظهره في مواقف سرد بصري متعددة المكونات والعلاقات الشكلية البينية، فيها ما فيها من طموحات ورغبات ظاهرة ومكبوتة، وأمل مرسوم في تضاريس الشخوص المرسومة والتي تنبأ عن هويتها العربية الفلسطينية.

بينما نرى لوحاته المرسومة بتقنيات الإعلان تارة، والحفر المباشر بالحبر الصيني والريش المعدنية، والمطبوعة بتقنية الحفر التقني واليدوي المطبوع في كثير من الأحيان، مفتوحة على الابتكار، واستنباط حلول شكلية معبرة عن واقع فلسطيني مُقيم، تؤكد على جودة البحث وأصالة الموهبة المدربة، واللمسة التقنية المحملة بنكهة شكلية وتقنية ألمانية، مكرسة لتعبيرية شكلية لافتة في عموم رسوماته ومطبوعاته الحفرية، الإنسان هو الفيصل البصري القاطع، والمفردة التشكيلية المتوافرة بكثرة في مضامين اللوحات، ومنشورة فوق أوراق مطبوعة هنا وهناك، لا تُغادر رمزية المضمون والفكرة التعبيرية المنشودة، قوامها الوطن الفلسطيني المتجدد في أبنائه المتمسكين بالحقوق وإرادة النصر والحياة. 

لوحات حفرية غنية بالمواضيع اللصيقة بحياة المواطن الفلسطيني عموماً، والذي يرسخ تحت نير الاغتصاب الصهيوني والقمع اليومي، فيها وصف أمين لجميع تجليات حياته، محملة برسائل كفاحية ودلالات ثقافية، كمحددات طبيعية لموقع الفن التشكيلي ودوره الوظيفي في ساح النضال الوطني الفلسطيني، والمزودة بمدارات سرد واضحة المعاني والنصوص السردية والخلفيات، ترسم صورة المناضلين المكافحين في فلسطين والعالم، المتخندقين في جبهة ثقافية ونضالية عالمية واحدة، تصرخ من خلال خطوطها وتعبيراتها الوصفية وأشكالها وتقنياتها في وجوه الغزاة المغتصبين والصهاينة على وجه التخصيص. 

 

أما منحوتاته ثلاثية الأبعاد المنظورة تارة، وثنائية الأبعاد الشكلية من نوع باروليف جداري في كثير من الأحوال، تأخذ حصتها من واحة الفنان السردية ومساحة ابتكاره، وترسم رؤى تاريخية لمعارك فاصلة بالتاريخ العربي، وتحمل في طياتها قصص الأولين وانتصاراتهم المعروفة في أروقة التاريخ العربي القديم والحديث، يدونها الفنان في صيغ تقنية معمارية الوهج والرؤى، كتل متراصة وهيئات شخوص كُثر في مساحات التأليف والتوليف التقني، تشدو بملامح إنسانية لوجوه وأجساد متراقصة فوق متن القصيدة النحتية، تحكي قصة شعب، وخصائص حياة وتحدى ومواكبة لتاريخ عربي مجيد.

لوحاته في مجملها مبتكراته، مشبعة بتاريخ الشعب العربي الفلسطيني النضالي، وتوثق مسيرته الكفاحية منذ عدة عقود من الزمن، فيها مقاربة وصفية لتجليات الحاضر اليومي الموصوف، تضم في طياتها الشكلية ومحتواها الموضوعي جميع تجليات الشعب العربي الفلسطيني، المحمل بالأمل والإرادة الصلبة وروح المقاومة، والمقدرة على المواجهة، ومقارعة الكيان الصهيوني المغتصب للأرض والإنسان. فالثورات الشعبية والانتفاضات الفلسطينية المستمرة تجد لها في لوحاته متسعاً لمكان، وفسحة لقول نضالي متاح.

 

أنت هنا: Home صحافة مقالات تشكيليون فلسطينيون: الفنان عبد عابدي