Font Size

SCREEN

Cpanel

البروفيسور أفنر جلعادي: الفنَّان عبد عابدي

قبل عدَّة سنوات التقيتُ أَوَّلَ مرَّةٍ بالفنَّان عبد عابدي ، تعرفتُ إلى أعمالهِ ووقفتُ على تطَوُّرِها . بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ ، وكنتُ ما أزالُ حينها أتلَمَّسُ ملامحَ فَنِّهِ ، حظيتُ بشرفِ افتتاحِ معرضٍ فردِيٍّ لهُ في بيتِ الفَنَّانين في حيفا . إنَّ الأحاسيسَ والأفكار التي عَبَّرتُ عنها في تلكَ المُناسبةِ لم يطرأ عليها تغييرٌ منذُ ذلكَ الحين . وإنّي لأرغبُ في أن أعودَ فأذكرَ خُلاصَتها مع بعض التَّوسُّعِ والأضافةِ ، هذه المَرَّةِ باللُّغةِ العربيةَِّ ، بمساعدةِ صديقي وزميلي السَّيد طارق أبو رجب الذي تفضَّلَ بترجمتِها

 

إنَّ زيارة ورشة الفَنّان تمنحُ المتأمِّلَ في أعمالهِ بُعداً إضافيّاً عن زيارتهِِ للمتحف أو المعرض . تكشفُ الورشةُ باعتبارها حلقةً ضيِّقة النِّطاق وحميمة في بيئة الفنان الواسعة ، تكشفُ جانباً من مراحِل تكوُّن العمل الفنِّي ومصادر وحيه . إعتدتُ أن أقولَ لكلِّ من يشدُّ الرِّحال إلى باريس إذا كان لديه مُتَّسَعٌ من الوقت ولو لنصفِ يوم أن يتخلَّى عن كلِّ معالمها المشهورة وَلْيُعَرِّج على بيتِ النّحّات أوغُست رودان الذي تُعرَضُ فيه اليوم الكثيرُ من أعمالهِ في بيئتها الطبيعيَّة التي وُلِدت فيها . منذ ذلك الوقت زُرتُ العديدَ من بيوت الفنانين في فرنسا ، ولكن في حيفا ليس هناك ما هو أَحبّ إلى قلبي من ورشة عبد عابدي . من العسيرِ عليَّ أن أًفَكِّرَ بعبد عابدي وفنِّهِ بمعزلٍ عن صورةِ المكان الذي يُبدعُ فيه ، هذا المكان الذي يروي قصَّة حيفا وسُكّانها من الفلسطينيين .

في مُنْحَدِرِ الشارع الذي يربطُ البلدةَ التَّحتى بجبل الكرمل – ومن هنا اسمُه : شارع الجبل – توجد ساحةٌ خلاّبة . كلُّ من يدخلها فكأنَّما يعودُ في الزَّمن إلى حيفا مطلع القرن الماضي . حديقةٌ صغيرةٌ فيها أشجار الليمون والاسكِدِنيا وشُجيرات الصّبَّار اليانعة . وفيها تتناثرُ متواريةً بضعُ أعمالٍ فنِّيَّةٍ كأنَّها هي أيضاً قد نبتَتْ من الأرض . وفي إحدى جَنَباتِ السّاحة غرفةٌ مُتواضعةٌ يجدُ الزائرُ فيها عبد عابدي ، منهمكاً محاطاً بأعمالهِ الفنِّيَّة التي ابتدعتها يداهُ ، وهو ينفثُ الدُّخانَ ويعرضُ على ضيفهِ كوباً من شاي إيرل جراي غُمِسَتْ فيه قصفةٌ صغيرةٌ من الرُّوزا . حالةٌ في منتهى الطّبيعيَّة والانسجام حتّى ليَحسبُ المرْءُ أنَّ عبد عابدي قد وُلِدَ وترعرَعَ في هذا المكان هو وأبوه وأمُّه وأجدادُه . لكن لا ، فعبد قد وُلِدَ في شارع ستينتون ، مسيرةَ خمس عشرةَ دقيقة شرقيّ هذه الساحة ، فوقَ حيّ الكنائس الذي كادَ أن يختفي كُلِّيَّةًً عن الأَنظارِ في السنوات الأخيرة بعدما حاصرتهُ وحوش الإسمنت والحجارة لمباني الحكومة .

لكنَّ طريقه من هناك ، من شارع ستينتون ، إلى الإستوديو في شارع الجبل كانت طويلة ، ملتوية وشاقة ، بدايتها في عام النَّكبة بالاقتلاع القَسري من البيت ، من المدينةِ ، من الوطن . عبد ابن السنواتِ الخمس ، والدته ، وأخوه وأخواته تقاذَفَتهُم النَّوى من حيفا إلى عكّا ، ومن عكّا إلى مُخَيَّم الميِّه المِيِّه ومنهُ إلى دمشق ، إلى ملجأ في مسجدٍ مهجور سكنتْهُ بضعُ عائلاتٍ فلسطينيَّةٍ . في ديارِ المَنافي هذه ، في ظِلِّ الخوفِ من الموت ، والثُّكل ، والإعياء ، والكرامة المهدورة ملأَ الطفلُ عبد جَعْبَتَهُ التي أفرَغها أمامَ أنظارِنا ، بعد سنين ، بالرَّسمِ والتَّخطيط والتَّصويرِ والنَّحت. موضوعات ومواد إبداعه تعودُ جذورُها إلى تلكَ الأيّام : في مشاهد الإصطبلات الرَّحبة في مُخيَّمات اللاجئين ، التي شكَّلَت فيها أكياسُ الخيش جدرانَ " بيت العائلة". في ذكريات نوافذ الشعارية المنسوجة باكتظاظٍ ، التي كان يُطِلُّ من خلالها الطفلُ من مأواهُ المؤقَّت في المسجد الدِّمشقي إلى الشارع ، أو منظر بطون النساء المكوَّرة الممتلئة في الحَمَّام الدِّمَشقي الذي زارَهُ بصِحْبَةَ ِوالدتهِ . من تجربةِ اللجوءِ هذه وُلِدَ عبد عابدي الفنّان ، "رسّام القبابِ المُثَلَّثَة " كما وصفه الشاعر موشي برزيلاي .

وكان أن إنتهى سوءُ طالَعِ عبد عابدي من اقتلاعٍ وتشرُّدٍ طيلة سنواتٍ ثلاث بالتئامِ شَمْلِ العائلة والعودة إلى مسقطِ رأسهم في مدينةِ حيفا . وفي حيفا تَتَلْمَذَ على فنّانين مرموقين ، من بينهم تسفي مئيروفتس ذائع الصّيت . ومنها توجَّهَ إلى دريزدن في ألمانيا ، ليدرسَ في أكاديميَّةِ الفُنون . وهكذا أصبحَ عبد إسوةً بآخرين ، شريكاً في المشروع الكبير للحزب الشُّيوعي الإسرائيلي الذي ساعدَ الناشئة في تلقّي تأهيلهم في أوروبا الشرقيَّة وأرسى أُسُسَ طبقةٍ من أصحاب المِهَن الحُرَّة ، والمثقَّفين والأُدباء الفلسطينيين في إسرائيل ممَّن صار لهم مُساهَماتٌ بارزة في ميادين شتّى . وفي دريزدن ، المدينة التي كانت رمزاً لخرابِ أوروبا أثناءَ دُوَّامة الجُنون والبَغضاء ، حظيَ عبد عابدي بالتَّتَلمُذِ على فنَّانةٍ يهوديَّةٍ ، مِمَّن نجوا من الكارثة ، هي ليئه جروندج ، في جوّ عملٍ أُمَمِيٍّ لا قومي . كلّ هذهِ العوامل ساهمت في تكوينِ شخصيَّة الفنّان الناضجة.

تعبِّرُ أعمالُ عبد عابدي عن ألمٍ مكبوتٍ وشوقٍ حارّ ، في لغةٍ رمزيّةٍ مُرهفةٍ . وهل هناك ما هو أكثر حنيناً من بلاطةٍ وحيدةٍ تنتصبُ في مركزِ إحدى أعمالِهِ الفنِّيَّة وهي تذكِّرُ الكثيرينَ منّا ببيوتِ آبائِهِم أو بيوتِ أجدادِهِم وجدّاتِهم ، وهنا في العملِ الفَنِّي لعبد هي مصدرٌ لتجربةٍ جَماليةٍ ، وللطمأنينةِ والسَّكينة . فقط حقيقةُ كونها بلاطةٌ مُنتزَعَة من بيتٍ مهجورٍ في وادي الصَّليب تجعلُ منها نُصُباً تَذكاريّاًَ لمُجتمعٍ كان موجوداً ثم زالَ . وهل هناكَ ما هو أكثرُ رومَنْسِيَّةً ، للوَهْلةِ الأولى ، من نوافذَ مُشَبَّكةٍ مُعتِمةٍ في بيوت قديمةٍ يدعونا الفنانُ في كلِّ عملٍ من أعماله أن نسترقَ النَّظرَ إلى داخلها وأن نسترجعَ في خيالنا مناظرَ ، وأصوات وروائحَ . إلاّ أن السرَّ المكنون في هذه البيوت ليس سرّاً جميلاً لأنَّ الكثيرين من سُكّانِ هذي البيوت قد هجروها ، ومصير أولئك الذين لا يزالون موجودينَ مجهولٌ .

إنَّني أُجِلُّ هذه المقدرة على تجميعِ الحُطامِ وتَخليدهِ ، والاحتجاج بِصَمتٍ دون أن نفقدَ الأملَ . يرى عبد عابدي نفسه : " فلسطينيّاً وجزءأً لا يتجزّأ من الشرق الأوسط والعالم العربي " ، يقولُ : " تجاربي الشخصيَّةُ هي تجاربُ ثقافيّةُ شرق أوسطيّة وإسلاميّة في آنٍ واحدةٍ . ولا تناقضَ في ذلك ، فلي صلةٌ أيضاً بالحضارة الغربيةِ الأوروبيةِ " .

لحُسنِ حظّنا – وأنا أقول ذلك كيهوديٍّ إسرائيليِّ – أنَّ عبد عابدي هو إسرائيليٌ أيضاً ، وأنه على الرّغم من آلامه وإحباطاتهِ كابنٍ للشعبِ الفلسطيني لم يقنط من البحثِ عن مسالكَ يصلُ عبرها إلى عُشّاقِ الفنّ من اليهود ، ومخاطبتهم بلغةِ الفنّ وأن يجعلهم في الوقت ذاته يعترفون بمعاناة الآخرين من جيرانهم .

ولا يتلخَّصُ الجانبُ العامُّ لإبداعِ عبد عابدي في هذا فحسب . فأذكرُ سنوات عمله كرسّام هيئةِ تحرير صحيفة الإتحاد ، ونشاطه التعليمي المتشعِّب في دار المعلمين العرب ، وفي ورشات الفنون لأولاد وادي النسناس ، والنُّصُب التذكاريّةِ التي صمَّمَها في سخنين ( بمشاركة الفنان غرشون كينسفل) ، وفي كفرمندا وكفركنا تخليداً للفلسطينيين الذين سقطوا منذُ ثورة 1936 وحتى الحوادثِ المأساويةِ في الجليل عام 2000 . وأخيراً نشاطهُ في إطار جمعيَّة الفنونِ التشكيليَّة التي أقامها مؤخَّراً ، فهو يقومُ بنشاطاتٍ تربويَّةٍ كبيرةٍ في إطار الورشاتِ للصّغارِ والكبارِ .

في كُلِّ هذا – في الإبداع الغزير ، في العملِ الفنّيِّ من أجلِ المجتمعِ وتربيةِ الجيل الناشئ ، هناك ، من ناحيةٍ ، صمودٌ شخصيٌّ وفنيٌّ هو بمثابةِ تكرارٍ لمقولةِ : " باقٍ في حيفا " ، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ : هناك تعبيرٌ عن الإيمانِ بأملٍ في حياةٍ أفضل في هذه البلاد التعيسة ، حياةٌ فيها المساواةٌ ، واحترام الحقوق ، والاعتراف بقيمة الآخر وبثقافته ومُعاناته.

أعمال عبد بالنِّسبةِ لي ليست مجرَّد مصدرٍ للمُتعةِ وللسُّمُوِّ الرّوحيّ ، كأيِّ
إبداعٍ فنيٍّ جيد ، بل هي أيضاً مصدر عزاءٍ في فترةِ تخبُّطٍ شخصيٍّ مؤلِمٍ ، حِيال الثمنِ الباهظِ الذي جرّهُ استقلالُ شعبي ، والذي ما زال يتحمّلُهُ كُلَ يومٍ جيراني – إخوتي الفلسطينيين .

وخِتاماً ، مع افتتاحِ هذا المعرض الذي هو حصادُ خمسةٍ وأربعين عاماً من الإبداعِ والعملِ التربويِ أرجو لعبد عابدي سنين َ مديدةٍ وحميدةٍ يظلُّ يمنحُ حياتنا فيها ، عَرباً ويهوداً ، معنىً وأملاً.

 

 

 

 

 

البروفيسور أفنر جلعادي

أنت هنا: Home صحافة مقالات البروفيسور أفنر جلعادي: الفنَّان عبد عابدي