Font Size

SCREEN

Cpanel

أنصاب تذكارية للحاضر

عبد عابدي

لقد أوجدت شعوب هذه الأرض خلال مسيرتها الحضارية المبدعة تعابير لمفاهيمها الفكرية بشكل رموز وشعائر تجلّت، بوضوح، من خلال الهيكل والمعبد وأشكال المسلة وأنصاب الحجارة. وخلال هذه المسيرة الإنسانية وتعاقب الأجيال فقد تصبح هذه الأدوات رموزًا وتعابير لعالم مضى وغاب في مطاوي الزّمن، لكنه لمّا يُمحَ. وتتعاقب الأجيال في كلّ المراحل تاركة الذكرى ومتشبّثة بالحاضر، هذا الحاضر الذي لمسته في انتصابة النخلة وعمق جذور الصبّار وشموخ الجامع المهجور وأجراس الكنيسة الذي حال الصدأ دون أن تردّ الصدى مع تموّجات الحزن عبر الأجواء. هذا التعاقب في التاريخ غير البعيد الذي لمست جروحه في نتوءات الحجارة المبنية المنتصبة أمام جرافات "الحضارة" وذقت ملوحتها المصبوبة عرقًا على الجباه السمر، هذا العرق الذي تحوّل عبر التاريخ المشحون بالمرارة إلى دموع غزيرة انهمرت على شواهد القبور التي تحوّلت إلى أنصاب في سخنين وكفرقاسم والطنطورة ودير ياسين. وقد يكون هذا النّصب الذي أقمناه في سخنين هو الشهادة والقَسَم في الانتماء الأبدي لهذه الأرض التي استصرختْ أبناءَها للدفاع عن أمِّهم الأرض. وقد يكون عملنا المشترك، الزميل غرشون كنيسبل وأنا، تجسيمًا لفكرة التعاون الخلاق بين أبناء الشعبين من أجل أن لا تتكرّر المأساة وأن يكون عمل الحاضر، هذا الحاضر الذي نتمنّى أن يسلم المستقبل أنصابًا للسّلام ولتواجدنا المشترك على هذه الأرض.

أنت هنا: Home نحت بيئي قصّة النّصب التّذكاري أنصاب تذكارية للحاضر