الدم ... والتراب

سميح القاسم

أنت من التراب وإلى التراب تعود! منذ مئات السنين والإنسان يردّد هذه الكلمات الرصينة المفعمة بالحكمة، في إطار من المفهوم الديني الصوفي.. أمّا بالنسبة للفلاح الملتحم بتراب أرضه، فإنّ هذه العبارة تنشحن بمعنى آخر.. معنى تلتقي فيه الرّوح بالمادة في وحدة إنسانية رائعة.

 

وحين يتعرّض "التراب" لخطر ما فإنّ الفلاح يرزح تحت إحساس باهظ بأنّ اتصاله بالكرة الأرضيّة موشك على الانقطاع.. إنّ وطن الفلاح هو قطعة الأرض التي يجبلها بعرقه ودموعه بانتظار ثمرة الألم والفرح.. وفي سبيل هذه الثمرة – حقّه الإنساني المشروع – يصبح الفلاح على استعداد تامّ للتصدّي بجسده وعقله ودمه.. آنذاك تتضح أوجه الشبه الشديدة بين التراب وبين الدم. لقد عاش الإنسان العربي الفلسطيني تجربة التراب والدم إلى أقصى حدودها.. كان اتصاله بأرضه حميمًا منذ فجر التاريخ.. ومن التوراة حتى آخر مصدر تاريخيّ معاصر نجد الدليل على العلاقة المتينة التي ربطت بيننا وبين ترابنا الوطني.

قبل ميلاد السيد المسيح بمائة سنة أسّس العرب الأزديون دولتهم في بلادنا، وإنّه لما يحمل دلالة هامة أنّ أوّل حديقة صحراوية في النقب عام 1978 لم ينجح الإسرائيليون بخلقها إلا على طريقة أجدادنا الكنعانيين، باعتراف الصّحافة الإسرائيلية نفسها..

هكذا، فإنّ جذورنا ممتدّة في تراب هذا الوطن من اليوم إلى فجر التّاريخ.. هذه الحقيقة تفسر وتبرر تشبث المواطنين العرب في إسرائيل بما تبقّى لهم من تراب وطنيّ، إلى درجة الاستشهاد، كما حدث في يوم الأرض الخالد وقبله وبعده..

لم يكن يوم الأرض 30 آذار 1976 "يوم شَغَب"، كما يدّعي البعض.. كان ذلك يوم كفاح عادل خاضته الجماهير العربيّة في إسرائيل تعبيرًا عن نقمتها النبيلة على السياسة التي استهدفت اقتلاعنا من جذورنا القومية، وتأكيدًا على التصاقنا الأبديّ بترابنا الشرعيّ الموروث أبًا عن جدّ.

لقد تبنّى حكّام إسرائيل المتعاقبون النظرية التوسّعية، ومارسوها بنشاطٍ محاولين التستّر وراء شعاراتٍ وتعابير جميلة وعلمية في مظهرها، لكنها عنصرية في مخبرها. وليست ألفاظ "التطوير" و "تركيز الأراضي" و "توزيع السكّان" سوى أقنعة لسياسة مصادرة أراضي الفلاحين العرب ونقلها باتجاه واحد نحو الملكيّة الإسرائيلية، لا من أجل تطوير مصالح جميع سكان البلاد، بل لتنفيذ سياسة "التهويد" المعلنة بوضوح في الفقرة التالية من مشروع "تهويد الجليل".

"القضية الخاصة بالجليل هي قلّة السكان اليهود بالنسبة لغير اليهود الذين يؤلّفون 70 بالمائة من مجموع السكّان". على هذه الخلفية وبعد ثلاثين سنة من مصادرة الأراضي كانت أحداث يوم الأرض. ففي 30 آذار 1976 أرادت الجماهير العربية الدفاع عن أرضها بممارسة حقّ شرعيّ من حقوقها! حقّ الإضراب. غير أنّ السلطات واجهت ممارستنا لهذا الحقّ المدنيّ بإجراءات عسكرية، كلفتنا ستّة شهداء أبرار وكثيرًا من الدم وكثيرًا من الألم.

القضايا القومية تستحث النضال القومي. وبقدر ما تتّضح القضية القومية، وبقدر ما يعمق النضال القومي، بقدر ما تتّضح وتتعمّق، أيضًا، مبرّرات وممكنات النضال الأممي. من أوجه الطابع الأممي لنضالنا، أنّ يوم الأرض أثار موجة من تضامن القوى والعناصر اليهودية السليمة في إسرائيل، عبّرت عنه بأشكال وأساليب متفاوتة. إنّ إقامة النّصب التذكاريّ لشهداء يوم الأرض رمز عميق لهذا التضامن.. ذلك النصب القائم على تلّة صغيرة في مدخل سخنين يبدو مخاطبًا البشر والسّماء معًا.. إنّه يعظ البشر بجلال الكفاح ويصرخ في وجه السّماء "العدالة!".

لقد التقت في تصميم هذا النصب وتنفيذه موهبتان تقدّميّتان بارزتان: موهبة الفنّان العربي عبد عابدي وموهبة الفنّان الإسرائيليّ غرشون كنيسبل. حقّق الفنّانان تساميًا نبيلاً فوق مشاعر التعصّب القوميّ وخرج عملهما المشترك عملاً منسجمًا متكاملاً بشكلٍ يخلق الانطباع بأنّه من صنع فنّان واحد.

إنّ حتمية التاريخ كفيلة بتصفية أسباب الظلم القومي والإنساني.. وتعاقب الزمن كفيل بإطفاء نيران الجراح.. ولا يبقى سوى العبرة ولا يدوم سوى المثل.. والإبداعات الفنية الإنسانية هي ذاكرة التاريخ.

لقد ذهب" اليونكرز" وانتصرت "غيرنيكا".. ولا ريب في أنّ البشرية ستذكر بابلو بيكاسو بأعمق مشاعر الحبّ والاحترام، وإذا ذكرت الجنرالزمو فرانكو، فلن تذكره بغير الاحتقار الذي يستحقّه.. ونحن لا نعيش على كوكب آخر.. وليس تاريخنا منفصمًا عن تاريخ البشرية التي تشكّل جزءًا مثيرًا من أجزائِها.

وستذهب العنصرية والكراهية.. سيذهب الظلم القومي.. ستذهب المذابح.. وسينتصر الإنسان، سينتصر الحبّ.. وسيبقى الإنسان والتراب والعبرة!

Текстиль для дома, Вышивка, Фурнитура, Ткани
автоновости