العربية➤اختيار لغة الموقع ﹡﹡عبد عابدي: الموقع الرسمي والارشيف الرقمي ﹡﹡

عبد عابدي، “وما نسينا”

بقلم: طال بن تسفي

معرض “وما نسينا” هو رحلة شخصية ذاتيّة في الزمن، الذاكرة والتاريخ الفلسطينيين الذين يشكلون جزءًا من حياة الفنان عبد عابدي، المولود في حيفا. يشمل المعرض رسومات ومطبوعات على الحجر (Lithography) نُشرت كصور منسوخة على مدى 20 عامًا، ابتداء من أواخر الستينيات، في صحيفة الاتحاد، في المجلة الأدبية الجديد، وعلى أغلفة كتب وكرسومات داخل كتب. بين الكتب التي نُشرت فيها، كتابا إميل حبيبي، “سداسيّة الأيام الستة” (1968) و “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” (1977)، كتاب سلمان ناطور “وما نسينا” (1982)، كتاب فيليتسا لانغر “بأمّ عيني” (1974)، كتاب يوسف الغازي (غليلي) “أبي، ماذا فعلت حين هدموا بيت نادر؟” (1974) والدواوين الشعرية لموشيه برزيلاي

وُلد عبد عابدي عام 1942 في حيفا، في حي الكنائس في البلدة التحتى. في نيسان 1948 اقتُلع من بيته مع والدته، أخوته وأخواته، بينما بقي والده في حيفا. ثم وصلوا من حيفا إلى عكا، طلبًا للحماية بين أسوار المدينة. بعد ذلك بأسبوعين خرجوا في سفينة متقلقلة إلى بيروت، بدايةً إلى المخيم الانتقالي “الكرنتينا” في ميناء بيروت ولاحقًا إلى مخيم اللاجئين الميّه ميّه قرب صيدا، لينتقلوا من هناك إلى دمشق. فتنقّل عابدي الطفل طيلة ثلاث سنوات بين مخيمات اللاجئين، دون إطار ومنقطعًا عن والده. في العام 1951 سُمح لعابدي وأبناء عائلته بالعودة إلى داخل إسرائيل في إطار لم شمل العائلات. إنضم عابدي الفتى إلى الشبيبة الشيوعية في حيفا، وهنا بدأ طريقه الفنيّ أيضًا. حيث سيلتقي فناني الواقعية الاجتماعية التي آان ممثلوها في إسرائيل: روت شلوس، شمعون تسبار، نفتالي بزم، موشيه غات، غرشون آنيسبل وآخرون. في العام 1962 قُبلت عضوية عابدي في نقابة النحاتين والرسامين في حيفا، وآان أول عضو عربي فيها. في العام 1964 سافر لدراسة الفن في درزدن في ألمانيا الشرقية، بمساعدة منحة دراسية من الحزب الشيوعي الإسرائيلي

والتقى في درزدن مع مايا غرونديغ، وهي فنانة يهودية اقترن اسمها برسومات الاحتجاج ضد الفاشية والنازية. في إطار تعليمه مكث في ألمانيا مدة ثماني سنوات، التقى خلالها زوجته يهوديت، وهي طالبة من هنغاريا جاءت إلى ألمانيا لغرض التعليم. لغتهما المشترآة هي الألمانية؛ وهما يتكلمان مع أبنائهما الثلاثة العربية، الألمانية والهنغارية.
عاد عابدي إلى إسرائيل في العام 1971 . وعرض على مدى سنوات عددًا آبيرًا من المعارض الشخصية وشارك في معارض جماعية. وفي العام 1978 سيُنتج ويقيم النصب التذآاري لإحياء يوم الأرض في سخنين 2، ولاحقًا سيقيم نصبًا تذآارية في شفاعمرو، آفر آنا وآفر مندا. عمل على مدى سنوات معلمًا للرسم في آفر ياسيف وآمحاضر في الفن في الكلية العربية للتربية في حيفا. بين السنوات 1972 و 1982 آان المصمم الفني لصحيفة الاتحاد وللمجلة الأدبية الجديد.

وعلى امتداد عقد ترك أثرًا على الثقافة البصريّة لدى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، حيث أن العديد من رسوماته آانت تظهر على الدوام في الصحافة اليومية، المجلات والكتب، منها ملصقات لإحياء يوم الأرض، ملصقات لذآرى مجزرة آفر قاسم وأخرى انتخابية للحزب الشيوعي في إسرائيل.
تؤآّد هذه السيرة الذاتية المقتضبة مرآزية فن الطباعة في مجمل أعمال عابدي. ويشكل هذا الفن استمرارية لتقاليد فن الطباعة في الفن الفلسطيني السائد، الذي تعود بداياته إلى الستينيات، في ملصقات إسماعيل شموط التي نُشرت في مخيمات اللاجئين في بيروت، وأهمها في الثمانينيات، وفي ملصقات وبطاقات بريدية وتقاويم لسليمان منصور وآخرين، نُشرت في الضفة الغربية وغزة، وخصوصًا في فترة الانتفاضة الأولى عام 3.1987

إسم المعرض وما نسينا، هو عنوان آتاب سلمان ناطور الشهير، وهو مجموعة من القصص القصيرة حول أحداث النكبة 1982 . وآانت آل قصة في المجلة تبدأ – عام 1948 . وقد نُشرت هذه القصص بداية في الجديد، في السنوات 1980 برسمة بريشة عابدي، حيث يظهر عنوانها آجزء من الرسمة 4. عناوين القصص هي: حتى لا ننسى ولكي نكافح؛ مقدمة الدآتور إميل توما؛ قرية عامرة في القلب، “ديسكوتيك” في جامع عين حوض؛أم الزينات تبحث عن الشوشارى؛ “حدثا” من يسمع من يعرف؟؛ هوشة والكساير؛ وقوف عند زعرورة الجلمة؛ ليلة في عيلوط؛ “مثل هالصبر” في عيلبون؛ طريق الموت من البروة إلى مجد الكروم؛ مصيدة في خبيزة؛ المستنقع… في مرج ابن عامر؛ ما تبقى من حيفا؛ المفكرة؛ يصغرون في العين.. يكبرون في اللد؛ من البئر حتى جامع الرملة؛ ثلاثة وجوه لمدينة تدعى يافا.

تعكس عناوين القصص مسحًا جديدًا لفلسطين الانتدابية، فلسطين الضائعة. وذلك أشبه بكتاب وليد الخالدي المعروف آي لا ننسى الذي يوثّق القرى الفلسطينية ال 418 التي دُمّرت. 5
خلافًا لشكل القصص القصيرة في الجديد، حيث أن أرفقت آل قصة برسمة مختلفة لعابدي، فقد تمّ في آتاب سلمان ناطور اختيار رسمتين فقط، وهما تنتجان حيّز الذاآرة الفلسطينية. فتظهر على غلاف الكتاب رسمة مصدرها قصة ” يصغرون في العين.. يكبرون في اللد”, 6 وهي تضم شخصيتيّ امرأتين لاجئتين تطأطآن نظرتهما، في حين يحولهما غطاء الرأس والفستان الثقيل إلى ما يشبه شخصية نُصُبيّة واحدة على خلفية مبنىً معماري ملتبس المعالم.

 
  وما نسينا”، يقول عنوان الكتاب، في حين تشير الرسمة إلى وعي خاص بالذاآرة – ذاآرة مجرّدة غير مموضعة في حيّز
جغرافي محدّد.
أما الرسمية الثانية فنُشرت في الأصل في إطار قصة “ما تبقى من حيفا”, 7 وهي تصف بالتفصيل مدينة حيفا. عنوان الرسمة، ” 22 نيسان 1948 “، يشكل إشارة ذاتية وجماعية إلى تاريخ الطرد من حيفا؛ لحظة تاريخية مرسّخة في الزمان والمكان.
هذه الرسمة منسوخة ومكرّرة مقابل آل عنوان وآخر في القصص القصيرة التي يضمها الكتاب. فالرسمة تتحول إلى
وتربط سيرة عابدي الذاتية آواحد من مواليد حيفا بسلسلة أسماء القصص. من حيفا إلى اللد، من حيفا ،(Logo) سيَماء
إلى الرملة، من حيفا إلى يافا، وغيرها وغيرها. حيّزٌ لذاآرة جغرافية، أسماء أمكنة، تفاصيل دقيقة لشوارع، محلاّت
اقتصادية وأسماء أشخاص على محور زمن النكبة الفلسطينية.
3
هذه الرسمة هي “رسمة شاملة”، رسمة تشمل بالملخّص الأيقونوغرافية المرافقة لأعمال عابدي على امتداد السنين. الرسمة مبنيّة آعمل ثلاثيّ الأجزاء: في الجزء الأيسر منها عدد آبير من الشخصيات المخططة آبقع سوداء، تتحوّل إلى سرب بشري يسعى للخروج من ميناء حيفا بازدحام وآثافة. في جزئها الأوسط شخصية الأب، قاسم عابدي، وهو يعتمر قبعة عمّال بسيطة، وخلفه حيّ “حارة الكنايس”، وفيه الكنائس، الجامع والساعة وآذلك بيت العائلة.
أما في الجزء الأيمن من الرسمة فهناك تخطيط غرافي لخرائب المدينة القديمة.
في تتمة الصفحة، تحت الرسمة، يصف ناطور في قصصه:
يمشي الشيخ المشقق الوجه، جنبًا إلى جنب مع سنوات هذا القرن. […] نقول حرب النكبة يقول: آان عمري 48
ويضيفك “بلغتها يوم ما آان مدفعهم على البرج، وضربوا قنبلة فيها آبريت أصفر على الساعة قرب مسجد الجريني، فسقطت الساعة، قلت: “سقطت الساعة، سقط الوطن”.
حيفا لم تمسح من خريطة هذا الوطن.. لكن معالمها تتغير وتتبدل […] وآيف يمكن أن نسجل آل شيء عن حيفا؟
قلنا، نذآر القليل، القليل، لعل شيخنا العربجي ينبش معالمها المخفية، في الذاآرة، أو أطلال جامع الجريني أو حمام الباشا الذي يلمع على سطح قبته نتوءات الزجاج الأزرق آلما طلعت الشمس ومسحت خيوطها عمود فيصل الرخامي.

أهالي حيفا القديمة، آانوا فقراء، حجارة وصيادين سمك.. آانوا يقلعوا الحجار من وادي رشميا ويبيعوها، وبعدين لما جاء الانجليز، ووسعوا البور (الميناء) صارت العالم تشتغل في البور…رفعت آان صياد ماهر، “فش منه وقدام”، آان عنده حمار اسود، يوقف على ظهر الحمار، ويمد نظره للبحر، آان يشوف أفواج السمك جاي، يرمي شبكته، ما تفلت منه ولا سمكة.. راحت الأيام واجت الأيام، وهالبحر صار يجيب ناس ويقذف ناس، “ولانشات”
دار أبو زيد تحمل هالعرب…
لوين؟ لمينا عكا
لوين؟ لمينا بيروت…
لوين؟ لمينا صيدا…
8( لوين لجهنم الحمرا..” (ناطور 1982

قصة سلمان ناطور عن حيفا تقوم إلى حدّ آبير على قصص عائلة عابدي. فمثلا، رِفعَت، الصياد، هو عم والد عابدي. وتظهر قصة
العائلة بالتفصيل في آتاب ديب عابدي (شقيق عبد عابدي)، خواطر زمنية، الذي صدر عام 1993 ، بعد وفاته. وجُمعت في الكتاب
. قصص قصيرة نُشرت على مدى السنين في الاتحاد، وبينها قصة جد العائلة والرحيل عن حيفا في نيسان 1948
4
الرسمة التي تظهر على غلاف الكتاب تتناول هي الأخرى الرحيلَ عن مدينة حيفا. الصور في الرسمة مرتّبة في منظورٍ على شكل صليب، بحيث يتشكّل خطه الأفقي من بيوت مدينة حيفا المخططة بالأسود ويحاذيها خط الماء في ميناء حيفا، بينما الخط العمودي يتشكل من قارب صيادين عليه صور مخططة بشكل داآن بخطوط سوداء. هناك ثلاث شخصيات تظهر بوضوح في مقدمة الرسمة: شخصية امرأة تحمل ما يشبه الصرّة الملتصقة بجسدها، شخصية رجل مسنّ وشخصية طفل صغير يستند على حافة القارب.
“آنت أسمع هذه الأحاديث وأعيشها، يرويها الكبار أمام الصغار، فازداد خوفًا، آنت أخاف العتمة، أخاف آثيرًا من العتمة إلى حد الموت، أخاف من العتمة، أخاف من المجهول إلى أن وقعت الكارثة. وآان الرحيل من حيفا إلى عكا بحرًا، في زحافات بريطانية.
في شهر نيسان ، آان البحر عاصفًا على غير عادته في مثل هذا الوقت، والموج العالي يكاد يأخذنا إلى الأعماق، لنغوص عميقًا عميقًا إلى قاع البحر، آان جدي عبد الرحيم واقفًا منتصبًا آأنه يتحدى الموج والأشياء، ينظر إلى حيفا وهي تودعنا ونحن نودعها، لأول مرة يودعها، ولأول مرة تودعه، وهي تبتعد عنا شيئًا فشيئًا، وجدي عبد الرحيم ينظر إلى الشاطئ الممتد من حيفا إلى عكا، آانت عجلات العربة تجرها الخيول تغوص في رطوبة الرمل.

رحلة زمنية قصيرة ثم نعود، هكذا قال جدي عبد الرحيم وآنت صغيرًا لا أتعدى الثامنة من عمري، وآنت أخاف من العتمة، وأخاف البحر، لأول مرة في حياتي مبحرًا إلى عالم مجهول – مجهول.
من المطحنة الكبرى يطلقون الرصاص وآأنها زخات مطر وجدتي فاطمة القلعاوي تخبئنا في حضنها وهي تتلو أية الكرسي بانتظام، ونحن لا نجرؤ أن نرفع رؤوسنا إلى الأعلى، وبقينا هكذا إلى أن ابتعدنا عن الشاطئ إلى أعماق البحر، واقتربنا إلى عكا.
وفي عكا مكثنا أسبوعين، اختنقت أسوار عكا بالنازحين واختنق النازحون في زحمة المهاجرين الذين هرعوا برًا
وبحرًا إلى داخل الأسوار، ولم يمض وقت طويل، سقطت عكا، وآان الرحيل برًا وبحرًا.
رآبنا السفينة ليلاً، وأبحرنا عميقًا إلى عالم الغربة من حيفا إلى عكا. آانت بداية السفر.. وسفر.. وسفر.
2) بداية العودة )
تعبت من السفر، رحالا من بلد إلى بلد، ماتت جدتي فاطمة قهرًا في بلاد الشام، ومات جدي عبد الرحيم في مخيم المية مية وبعيدًا عن حيفا التي أحبها حبا يفوق مواصفات الحب. حيفا وجدي توأمان، لقد آانت قطعة منه، لم يحتمل الفراق، قبل أن يودعنا ويرحل عنا، أوصانا أن نعود إلى حيفا وان لا نترآها مهما حصل، آان يتمنى جدي
9.( أن يدفن في حيفا في المقبرة الفوقا بجانب جامع الاستقلال بين أهله وأحبابه. (ديب عابدي، 1991
5
في القصة، تستوعب الجدة الجميع في حضنها، في حين أن الراوي هو عمليًا شخصية الطفل الخائف من العتمة ومن البحر، والذي ينتظر مخلصُا يخلصه من عذابه. إنتظار المخلّص، المنقذ من الغرق في البحر هو تفصيلٌ معروف لعابدي من قصص والدته عن شخصية الخضر. وتظهر هذه الشخصية في قصة سلمان ناطور “ما تبقى من حيفا” التي قُدّمت هنا بتوسّع. فيجري في القصة وصف مجموعة من النساء خلال زيارة لمغارة النبي الياهو (الخضر). يشرب الناس ويأآلون، يدخلون ثملين بعض الشيء إلى البحر ويبدأون بالغرق، ثم بدأ المسنون يصلّون متضرّعين أنقذنا يا خضر، يروي ناطور، وفجأة رأوا شخصًا على متن قارب في عمق البحر، لكنه اختفى آفصّ ملح. وبالطبع، فإن أحدًا لم يغرق.

إن شخصية الخضر هذه بوصفه النبي الياهو، مار جريس، شخصية منقذة ومُخلصة، يتكرر ظهورها في رسومات آثيرة لدى عابدي. ففي رسمة تعود إلى العام 1979 ، تبدو شخصية طائرة، ذراعاها منبسطتان، وآأنها تحمي مجموعة البيوت الممتدة تحتها. في رسمة أخرى من العام 1976 تظهر مجموعة لاجئين تحمل عاليًا ما يشبه شخصية “مسيح” يبسط يديه فوقها. ليس بوسع شخصية الخضر، أو شخصية الرجل المسنّ، أن تحمي وتحافظ للأبد على الشخصيات الفلسطينية التي يصفها عابدي في أعماله. فحقيقة أن الشخصية الحامية تطير في السماء دومًا، منقطعة عن الأرض وعن مصدر قوتها، تشير إلى محدودية القوة والى موقعها في الميثولوجيا الدينية والشعبية على السواء.

تظهر شخصية الرجل المسن، الشيخ المشقق الوجه، آموتيف يتكرّر في جميع قصص وما نسينا لدى سلمان ناطور، وفي غالبية الرسومات التي رافقت هذه القصص في الجديد. ولكن هناك توتّر متأصّل بين النص الذي يقوم على شخصية الشيخ في دور الراوي، ذلك الذي يذآر أحداث النكبة بحذافيرها (أسماء أشخاص، تواريخ وأمكنة)، وبين آونية الرّسمة، آما تتجسّد أمام الشيخ نفسه وأمام سائر الشخصيات في سلسلة الرسومات.

فمثلا، في الرسمة التي تفتتح قصة “من البئر حتى جامع الرملة” 10 تبدو شخصية الرجل المسنّ، وجهه مشقق بالتجاعيد وبمسحة من الحزن، وهو يبسط يديه في منظورٍ بشكل صليب، حيث من غير المؤآّد إن آان يقدّم نفسه آضحيّة أم أنه
يحمي شخصيات النساء المتفجّعات الواقفات خلفه، في حين تتمدّد بجانبهما جثة ميّت مكفّنة فوق
مسطّح مؤلّف من ألواح خشبية.

تحت الرسمة، يصف ناطور بتفصيل دقيق قصة في مرآزها قتل وخراب. ففي آذار 1948 ، آما يسرد الراوي، “الشيخ مشقق الوجه”، انفجرت قنبلة في مرآز الرملة، في سوق الأربعاء، وأدّت إلى قتل آثيرين، فوضى، وعدد آبير من الجثث التي آانت مُلقاة بين مباني السوق وصناديق الموز والبرتقال. التوتّر بين النص الذي يتناول العنف والفقدان وبين المنظور الأفقي للرسمة، الشخصيات الثقيلة والسوداء وموقع الرسمة في حيّز جغرافي مجرد يُشار إليه فقط بواسطة خط مئذنة 6
الجامع – آل ذلك يشحن الرسمة بمنظومة رمزية فوق زمنية. أما الجثة المستلقية، ذات الوجه المغطى، فهي ضحية عينيّة
وآونية في آن واحد.

أمّا في رسومات أخرى، فتعود الجدلية ما بين النص المفصّل وبين طابع الرسمة الرمزية. على سبيل المثال، الرسمة التي ترافق قصة “مثل هالصبر في عيلبون” 11 . ففيها تظهر شخصية مستلقية جريحة على الأرض بينما تلامس وجهها شخصيّة امرأة بيد
متردّدة. في الخلف، عدد من شخوص النساء اللاتي يلطمن وجوههن بأسى. وهذه الشخصيات موجودة في حيّز خال من البشر، بعيدًا عن أيّ موقع مأهول أو مصدر للمساعدة.

تبدأ القصة بمشهد طويل يصف فيه ناطور الطريق الترابية الخارجة من عيلبون، الحقول والجبال المحيطة، والتوتر ما بين امرأة فلسطينية شابة وأطفالها وبين جندي إسرائيلي يتواجد معهم فوق شاحنة تسافر من عيلبون باتجاه طبريا. بعد ذلك يتحدّث الراوي عن المجزرة في عيلبون، عن موت عازر، الرجل الفقير الذي يحبه الأطفال، حين آان يستند إلى بوابة الكنيسة، وعن موت سمعان شوفاني، خادم الكنيسة المارونية، الذي ظلت جثته ملقاة على الأرض مدّة ثلاثة أيام. 12

في الرسمة التي تفتتح هذه القصة وفي رسومات آثيرة إضافية ضمن سلسلة وما نسينا، تمّت موضعة الشخصيات في حيّز
جغرافي مجرّد، خُطّط أحيانًا بصورة غرافية بعدد من الخطوط فقط. الشخصيات مموضعة على الورق الأبيض، وهي
تستقي قوّتها المحلية، العينية، من الحيّز النصّي الأدبي. آمال بلاطة يصف هذا التأثير النصي – للأدب، الشعر واللغة
المحكية العربية – على الفن الفلسطيني بوصفه “دلالات خفيّة للكلمات”، صارت بمثابة المرآّبات الخفيّة للفن الفلسطيني. 13
يشمل هذا الحيّز النصيّ آتابات أدبية غنيّة لكتّاب وشعراء مثل إميل حبيبي، أنطون شماس، محمد علي طه، سلمان
ناطور، سميح القاسم وآخرين. وهناك علاقة خاصة معروفة بين رسومات عابدي والأعمال الأدبية لإميل حبيبي، المولود
في حيفا.

ساهم عبد عابدي برسومات آثيرة في آتابات إميل حبيبي. على سبيل المثال، الرسمة التي تختتم قصة “بوابة مندلباوم”، في مجموعة القصص 14 فتظهر في .( القصيرة التي ألفها حبيبي سداسية الأيام الستة ( 1968
الرسمة شخصية امرأة، وجهها مجعّد وهي تقبض على عصا سوداء، وخلفها طفلة-فتاة، بجانب سلك شائك، يمتدّ ظلها داآنًا نحو المرأة.
الشخصيتان موجودتان في حيّز فارغ، بين ماضٍ ومستقبل، وتبدوان آما لو أنهما تجمدتا، آمن تستصعبان حثّ الخطى نحو المجهول. التناقض ما بين خطوط الجسد السوداء وتلك الخطوط الرقيقة التي ترسم التجاعيد، تؤآد جمود الشخصيتين وحالتهما النفسية.
7
إن بوابة مندلباوم، التي تَخَمَت الحدّ بين شطري القدس حتى عام 1967 ، آانت المعبر الوحيد بين إسرائيل والأردن. مرّة
في السنة، في عيد الميلاد، آانت البوابة تُفتح أيضًا لمرور مسيحيين من سكان إسرائيل لزيارة ذويهم في مخيمات اللاجئين
في الأردن. ويشير شمعون بلاص إلى أن هذه البوابة، التي آانت ترمز إلى تقسيم القدس، آانت ترمز بنفس القدَر إلى
تقسيم الشعب الفلسطيني. 15

يحلّل بلاص بشكل موسّع آيفية وصف إميل حبيبي لافتراقه عن أمه وهي على وشك الانضمام إلى أبنائها في الأردن. 16
فيصف حبيبي بوابة مندلباوم آمنطقة خالية في طرفيها بوابتان بائستان، “أرض حرام” تفصل بين عالمين: “من يخرج من هنا لا يعًُد أبدًا”، يقول موظف الجمارك الإسرائيلي للراوي. 17 لكن الراوي لم يكن بحاجة إلى هذا الشرح. آذلك، فوالدته التي أرادت أن تقضي بقية حياتها في المدينة المقدسة، لم تكن بحاجة إليه لكونها مُشبعة ب “فكرة الوطن الممزّق”. ولكن ما هو الوطن، يسأل إميل حبيبي، أهو الناصرة حيث قضت عشرين سنة من حياتها، أم القدس، تلك المدينة التي عرفتها في شبابها؟ فالوطن هو أيضًا تلك “الأرض الحرام” بين البوابتين، المساحة التي يكون المارّ فيها مثله مثل المارّ في “وادي الموت الذي لا رجعة منه”. يصف بلاص هذا آشرخ ذي وجهين: من اضطرّوا للعيش خارج بلادهم يأملون العودة إليها، ومن يعيشون في انقطاع عن الغالبية الساحقة من شعبهم، يتعلّقون بالأمل في لم الشمل معهم.

هذه الثنائية لدى فلسطينيين “الداخل”، عرب 1948 ، تميّز أعمال عابدي وهي متأثرة بلا شك بكتابات حبيبي. مثال آخر على ذلك يتجسد في سلسلة الرسومات التي تزيّن صفحات آتاب حبيبي “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” ( 1974 ). في الرسمة التي تفتتح القصة، تظهر شخصية رجل يغطي نصف وجهه بيديه. واليد التي تُخفي ملامح الوجه (ولا تسمح بتشخيص وجه الكاتب)، تتوجّه بجانبها المكشوف إلى المشاهد-القارئ، داعية إياه إلى حدّ ما لقراءة مستقبل الكاتب في آف اليد. هكذا يصف عابدي الفنان شخصية إميل حبيبي الكاتب، وهي شخصية تدير حوارًا مرآبًا يقوم على التكتّم والبوح، في
حين أنها تطرح تعقيدات الهوية لدى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل.

فن الطباعة لدى عابدي، الرسومات، والمطبوعات على الحجر، عُرضت على الجمهور الواسع للمرة الأولى بالأسود والأبيض، على صفحات جريدة، داخل الحيّز النصّي للغة العربية. فعلى خلفية قلة فضاءات العرض الفنية آالصالات والمتاحف في المجتمع العربي في إسرائيل (خصوصًا في السبعينيات والثمانينيات)، وغياب خطاب نقدي فني في الصحافة العربية، آان النص الأدبي الفلسطيني المنشور بجانب الرسومات، يتحوّل إلى أيقونوغرافية تؤوَّل الأعمال وتُقرأ من داخلها.

إن “فكرة الوطن الممزّق” التي يصفها حبيبي، هي تعبير ملائم عن مجمل أعمال عابدي، التي يقطنها سكان حيفا، عمّال في الميناء، صيادون وفلاحون، إلى جانب لاجئين ومهجّرين في الجهة الثانية من الجدار. لكن هذه “الفكرة” تطمح إلى عدالة آونية تقع ما بعد حدود وأسئلة الهوية والقومية: ففي مرآز أعماله تتكرّر الشخصية الإنسانية، المخططة برسم مرهف الحسّ يصغي لمعاناة بشر يقفون في وجه أمواج التاريخ، أمواج البحر في حيفا، من وجهة نظر طفل في السادسة من عمره، جرى اقتلاعه من بيته، وهو يقف على متن سفينة متقلقلة في عمق البحر.
8

1 طال بن تسفي، تعدّ أطروحة الدآتوراة في جامعة تل أبيب في موضوع “تمثيلات النكبة في الفن الفلسطيني: السبعينيات ،(2003- والثمانينيات في أعمال فنانين فلسطينيين من الأقلية الفلسطينية في إسرائيل”. أمينة غاليري هاجر للفنون في يافا ( 2001 2001 ). من مؤلفاتها: “هاجر – فن فلسطيني معاصر” ( 2006 )، إصدار جمعية هاجر. – أمينة غاليري صندوق هاينرخ بيل ( 1998
( سيرة حياة، 6 معارض شخصية في غاليري هاجر للفنون ( 2006 ) إصدار جمعية هاجر. آاتالوغ معرض “لغة أم”، ( 2004
ضمن: חזות מזרחית/שפת אם, הווה הנע בסבך עברו הערבי, יגאל נזרי (עורך), הוצאת בבל, ועוד.
2 النصب التذآاري في سخنين آان في مرآز المعرض: “حكاية نصب تذآاري: يوم الأرض في سخنين” (أمينة المعرض: طال بن
تسفي). للاستزادة حول المعرض يُنظر: גיש עמית, 2008 . “אתם תקימו ואנחנו נהרוס: אמנות כחפירת הצלה”, כתב
www.hagar-gallery.com : עת סדק 2, עמ’ 117-119 . وآذلك في موقع غاليري هاجر للفنون
3 حول فن الطباعة في الفن الفلسطيني السائد يُنظر بتوسّع:
تينا شرفول، 2001 . “تخيُّل فلسطين آأمنا الوطن”، صور ذاتية – فن نساء فلسطينيات، طال بن تسفي وياعيل ليرر (محررتان)،
.66- إصدار أندلس، ص 49
آمال بلاطة، 2001 . “العالم، الذات والجسد: نساء رائدات في الفن الفلسطيني”، صور ذاتية – فن نساء فلسطينيات، طال بن تسفي
.48- وياعيل ليرر (محررتان)، إصدار أندلس، ص 9
آمال بلاطة، 2000 . ” استحضار المكان: دراسات في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر”، تونس، ألكسو.
4 نُشر في العام 2007 بقطع مختلف في إطار ثلاثية لكاتب حول الذاآرة الفلسطينية تحت عنوان “ذاآرة”، إصدار مؤسسة بديل في
بيت لحم.
5Walid Khalidi, 1992. All That Remains. The Palestinian villages Occupied and Depopulated by Israel
in 1948. Washington.
. 6 سلمان ناطور، “يصغرون في العين.. يكبرون في اللد”، وما نسينا، نُشرت في الجديد، آانون الأول 1981
. 7 سلمان ناطور، “ما تبقى من حيفا”، وما نسينا، نشرت في الجديد، آانون الأول 1980
8 قصة “ما تبقى من حيفا”، وما نسينا، بالعبرية والانجليزية، صدرت في آتيّب لجمعية ذاآرات-زوخروت.
. 9 ديب عابدي، نشرت للمرة الأولى في صحيفة الاتحاد، 27 نيسان 1991
. 10 سلمان ناطور “من البئر حتى جامع الرملة”، وما نسينا، نُشرت في الجديد، تشرين الثاني 1981
. 11 سلمان ناطور، “مثل هالصبر في عيلبون”، وما نسينا، نُشرت في الجديد، آذار 1981
12 يشير بيني موريس إلى أن قرية عيلبون، وغالبية سكانها من المسيحيين الموارنة، احلتها في 30 تشرين الأول 1948 وحدات
لواء “غولاني”. وقد اختبأ السكان في الكنائس وأعلن القساوسة استسلام القرية. ولكن، حين تجول الجنود في القرية وجدوا في أحد
البيوت رأسين مقطوعين لجنديين إسرائيليين. فتم إصدار أمر إلى سكان عيلبون بالتجمّع في ساحة القرية، وخلال ذلك قُتل أحد
السكان بالرصاص وأُصيب آخر بجروح. بعد ذلك، اختار الضابط 12 شابًا، وجرى قتلهم في شوارع القرية. أما سكان القرية الذين
وصل تعدادهم 800 ، بينهم نساء وأطفال، فقد تم إجبارهم على المشي سيرًا على الأقدام دون طعام إلى المغار، أمام سيارات الجيش.
وحين وصلوا إلى آفر عنان انضمت إليهم مدرّعة أمطرتهم بالرصاص. ونتيجة لذلك قُتل أحد المسنين، سمعان الشوفاني، وعمره
60 عامًا، وجُرحت ثلاث نساء. وقد نهب الجنود 500 ليرة من الرجال وحلي ذهبية من النساء، وأرسلوا 42 شابًا إلى معسكر
الاعتقال. أما الباقون فقد ساقوهم في اليوم التالي إلى ميرون، ومن هناك إلى الحدود اللبنانية. بعد التهجير اجتاح الجنود بيوت عيلبون
ونهبوها. وفي صيف 1949 سُمح لمهجري عيلبون في لبنان بالعودة إلى قريتهم. يُنظر بتوسّع: בני מוריס, 1991 . לידתה של
. בעיית הפליטים הפלסטינים 1947-1949 . עם עובד, תל אביב, עמ’ 306-305
. 13 כאמל בולאטה, 1990 . “אמנים ישראלים ופלסטינים: מול היערות”, קו 10 : עמ’ 175-170
14 “بوابة مندلباوم” نُشرت للمرة الأولى في الجديد، آذار 1954 . ضمها آتاب إميل حبيبي “سداسية الأيام الستة”، إصدار الاتحاد،
.1970
15 يُنظر بتوسّع:
. שמעון בלס, 1978 . הספרות הערבית בצל המלחמה. הוצאת עם עובד, עמ’ 35-33
16 المصدر نفسه.
. 1954 ) سداسيّة الأيام الستة، إصدار الاتحاد، حيفا، ص 13 ) ، 17 إميل حبيبي،
1970.

click here to go to exhibition online

Let your voice be heard! Share your thoughts and ignite the conversation. Your comments matter!

المشاركات الاخيرة

الفنان عبد عابدي… يروي حكاية حيفا في ذكرى احتلالها
أبريل 29, 2024By
لا يوجد هناك مكان: معرض في متحف الفن الحديث في فرانكفورت
مارس 25, 2024By
دعوة: أصوات من مشروع المقابلات “الفن في الشبكات” يوم 21 مارس في الألبرتينوم
مارس 18, 2024By
أصداء البلدان الشقيقة / بيت الثقافات العالمية في برلين
فبراير 10, 2024By
“على هذه الأرض” يجمع الفنانين العرب حول فلسطين
نوفمبر 27, 2023By
البرتينوم: رومانسيات ثورية؟ تاريخ الفن العالمي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية
أكتوبر 31, 2023By
ترميم جدارية عبد عابدي في حيفا
أغسطس 10, 2023By
مجموعة تشوكاكو: رحلة ألوان
أغسطس 6, 2023By
بلد من كلام الحلقة السادسة: عبد عابدي
يوليو 10, 2023By
بلاد الكلمات”: بودكاست جديد باللغة العربية من جامعة برلين الحرة يجعل الشخصيات الرئيسية في الأدب الفلسطيني قابلة للسماع
يوليو 10, 2023By

الأعمال الأخيرة

GDPR

اكتشاف المزيد من عبد عابدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading