arOFFICIAL WEBSITE AND ONLINE ART CATALOG

للمكان ذاكرة مرئية – سمعٌ ومذاق رائحة البريد الإلكترونى

إنها المرّة الثانية التي أخوض فيها مجال أمانة المشروع الإبداعيّ الضخم الذي يُشارك فيه هذا العام خمسون فنانة وفنانًا من العرب واليهود، وفنانتان من ألمانيا. وذلك ضِمن التقليد السنويّ المُقام بمبادرة من الشركة البلدية “إيتوس” – للثقافة والرياضة والفنون، بالتعاون مع المركَز العربيّ اليهوديّ – بيت الكرمة، ولجنة حيّ وادي النسناس – الحيّ العربيّ الذي يستضيف هذا المشروع بشكل متواصل منذ عام 1994.

 يستدعي الموقف في هذا التلخيص مراجعة ما آلت إليه بداية البدايات، من حيث تجاوب عدد كبير من المبدعين والمبدعات في المشاركة في المشروع، وتقديم الاقتراحات التي بدت منسجمة والفكرة المطروحة وعُنوانها: “للمكان ذاكرة وروابط”، التي اعتبرها المشاركون التزامًا ذاتيًّا في استحضار الحدث وإعادة تمثيل ما كان محجوزًا في فضاء الذاكرة الخصبة والمغلقة للذات

 يُعيدني، الآن، وفي تلخيص عابر لذاكرة الحدث، حين البدء بتكوين المشروع وحتى الانتهاء منه، ذلك الكمّ المميّز للأعمال التي قُدّمت، حيث تميّزت بعُمق الرؤية والرؤى، وبالأساليب والطرائف الفنيّة، المُشبَعة بعوامل ذاتيّة تجاوبت مع المطلوب.

 

تجاوزت هذه التجربة مجرّدَ نصب الأعمال الفنيّة في الحيّز السكنيّ و”الأوربانيّ” في هذا المكان العريق، نحو المشاركة الوِجدانيّة والحِسّيّة، والمتمثلة، أيضًا، باستخدام الخامات والموادّ، كالسراميك والحديد، إضافة إلى الرسم المباشر على الجدران، والاستعانة بأحجار الفسيفساء، أيضًا، حيث تمثّل جميعها استعادة للحضور الحضاريّ والتاريخيّ لمعالم حيفا وآثارها التاريخية، كآثار الفسيفساء في مِنطقة كاسترا في مدخل حيفا الجنوبيّ، وجدران الفريسكو في دير مار إلياس، وجداريّات الكنائس القديمة في البلدة التحتا، وإبداعات الحديد المطروق في التراث الشرق الأوسطيّ، وأماكن أخرى.

تميّزت الأعمال الفنيّة المُستعرَضة في الحيّز السكنيّ، أيضًا، بمشاركة نسائيّة، لخمس مبدعات في مجال التعامل مع معدِن الحديد والبرونز، وهنّ: إيريت سيـﭽل يسرائيلي، وميري سيلع، وأوريت فاينـﭽولد، وأﭭيـﭭا شيمر، وليلي فيدر.

أمّا مجال النحت – السراميك، فيتميّز، أيضًا، بمشاركة نسائيّة، ضمّت أعمالاً للفنانات: مرﭭت عيسى، نتاليا دياتلوﭫ، وردة خاطر، ناﭭا شوشاني، وميري فلايشر. ذلك بالإضافة إلى مشاركة نسائيّة ضمّت عشرَ نساء من الحيّ، قُمنَ بتصميم جداريّة من السراميك، تخليدًا لذكرى الراحلة الفنانة حايا توما، التي ساهمت لسنوات طوال بأعمال فنيّة لصالح سكّان المكان.

مراجعات إبداعية في استحضار صورة لذاكرة المكان

استعرضت ميري فلايشر في شبّاك بيت مهجور مجسّمات الـ”بلوك” الطينيّ المليء بتحف الخزف (الـﭘورسلان) القديم، وبقايا القوارير الفِلَسطينية الموجودة في الحيّز الشعبيّ، من أجل إعادة تركيبها، ثمّ انصهارها كمراجة للذاكرة الجمعيّة والذاتيّة. استعرضت ناﭭا شوشاني لوائح الصبر المصنوع من الطين المحروق على شكل حبل غسيل منشور في حوار مرئيّ وتواصل لحوار أبديّ مع المادّة.

وقد قدّمت مرﭭت عيسى عملاً مميّزًا من واجهة من بلاط السراميك، يحوي عناصر العربسك، كاستحضار لسبيل المياه التي جفّت مياهه في موتيـﭬات المدينة الإسلامية التقليدية والتي اختفت معالمها.

وعلى هذا النحو يرسم ساهر ميعاري، أيضًا، لوحة تشكّل مناظر لثلاث مدن ساحلية في نوستالـﭽيا استُحضرت من ذاكرة ميّزها الحنين والتعاطف.

وهكذا هي الحال، أيضًا، في موتيـﭭات قدّمتها حايا ﭽال أون، من خلال تناولها شخوصًا لأقربائها الآتين من جنوب إفريقيا في ديالوﭺ مواجهة لعائلة فِلَسطينية من قرية الرامة، تبحث فيه الروابط الجامعة والفاصلة بينهم.

يتعامل أسد عزّي وميخائيل حلاّق وفهد حلبي وغيرهم من العارضين في صالة العرض، مع حوار الجسد واستحضار العاطفة في موقف أخلاقيّ، وكأنه في النداء اللاتينيّ “إتشي هومو” (Ecco Homo) – هذا هو الإنسان! إنّ خارطة المحيط الهادي وحبل الغسيل الممتدّ على عرض الخارطة، تجسيد مميّز لهذا الربط، وتشابك أطراف المعمورة ووَحدة العالم المنشود، للفنانة إيمان أبو حميد. بينما يستعرض شموئيل ﭙئير استلهامًا من أبديّة الصراع الفرديّ للفوز بالاعتلاء ونيل الأفضل (عمل جداريّ).

إنّ العمل الإبداعيّ المشترك للفنانتين في مجال السراميك (عمل إنشائيّ) – أورنا يزرعيلي وعوفرا عميكام، يفرض شكله من الثقوب المُضاءة داخل عُلب صغيرة يُنظر إلى داخلها من خلال مجهر مُعدّ وإضافة كهرَبائيّة، وهما تستعرضان فيه صورًا عائلية على خلفية خارطة القرى العربية في الجليل، وغيرها من الاستعراضات.

قد يكون من الصعوبة بمكان إجراء استعراض شامل لما أنتجه وأبدعه الفنانون العارضون في صالة العرض وفي فضاء الحيّ؛ الأمر الذي يحتاج إلى دراسة مفصّلة. إلاّ أنّ الاستنتاج الأوّليّ في المشهد الشامل هو في كون التلاقي والإبداع المشترك كفيلاً ببناء الوسيلة والركيزة لإمكانية الحوار، وإشعال الضوء في ظلمة هذا النفق، ونقل تجربة الإبداع والنسيج الاجتماعيّ في هذا الحيّ العريق، إلى مناطق أخرى؛ كون هذه المدينة الساحلية مميّزة بجمالها الطيبوغرافيّ الرابط بين مينائها وجبال الكرمل العالي الأخضر الداكن أبدًا.

 

عبد عابدي – أمين المشروع

حيفا، 18.11.09

 

Leave a Reply

المشاركات الاخيرة

من شقًي البرتقالة بافتتاح معرض الفنان اديب خليل
نوفمبر 30, 2021By
لوحة لن تفارق حيفاها
نوفمبر 29, 2021By
إزاحة الستار عن النصب التذكاري للدكتور رمزي توفيق أسعد
سبتمبر 29, 2021By
كلمة الفنان الرسام المبدع عبد عابدي في امسية اشهار كتاب “ذكريات في تقاطع الألوان”
سبتمبر 27, 2021By
بلدٌ وحدُّهُ البحرُ: محطّات من تاريخ السّاحل الفلسطيني – المتحف الفلسطيني
سبتمبر 20, 2021By
افتتاح معرض لوحات الفنان الفلسطيني الحيفاوي المخضرم عبد عابدي بعنوان “حوار في حاضرة المكان”
يوليو 2, 2021By
عبد عابدي | أنا والمكان مكان
يوليو 1, 2021By
على طريقة حيفا- معرض جديد على شرف الذكرى السبعين لمتحف حيفا للفنون
يونيو 16, 2021By
معرض جماعي: على طريقة حيفا / متحف حيفا للفنون
مايو 25, 2021By
معرض فردي: حوار في حاضرة المكان / غاليري بلقيس
مايو 25, 2021By

الأعمال الأخيرة

GDPR