arOFFICIAL WEBSITE AND ONLINE ART ARCHIVE

بأم عيني… كيف اخترق الفنان الفلسطيني عبد عابدي عزلة الاحتلال؟

  •  

حلا علي السبت 18 يوليو2020

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي (المجلس) التاسع والعشرين الذي يديره الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي، عبر الانترنت من خلال مؤسسة بارجيل المتخصصة بالشأن الثقافي والفني. يهدف المجلس الثقافي إلى الجمع بين الإبداع الفكري والفني في العالم العربي والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة عبر إقامة حوار شامل يربط الشعوب والأفكار والثقافات.

حمل الملتقى، الذي استضاف الرسام والنحات الفلسطيني عبد عابدي (9 يوليو) عنوان “عبد عابدي، بأم عيني“، وحاور فيه القاسمي الضيف بحضور عدد من الفنانين مثل سامية الحلبي وحسني شحادة الذي قام بتقديم الفنان عبدي إضافةً إلى العديد من المهتمين بالشأن الثقافي ومتابعي نشاطات مؤسسة بارجيل.


لنتعرف إلى الفنان الفلسطيني عبد عابدي، صاحب التراث الغني والتاريخ الأعرق من دولة الاحتلال الناشئة، وأول فنان يخرج الفن في فلسطين المحتلة من قوقعة الاحتلال


رجُل أعرق من تاريخ دولة

من وادي النسناس في حيفا، يطل علينا عبد عابدي عبر شاشته من استوديو تابع لأوقاف الكنيسة الإنجيلية في حيفا يعود تاريخه لعام 1910. الفنان عبد عابدي من مواليد حيفا قبل النكبة الفلسطينية عام 1942 خلال فترة الانتداب البريطاني، وهو مثله مثل أي معلم تاريخي لا يزال واقفاً في فلسطين يحمل تراثاً أعرق وأغنى بكثير من دولة الاحتلال الناشئة. هو رسام ومصمم غرافيكي ونحات ومدرس للفنون في فلسطين المحتلة. وفي الملتقى نتعرف عن قرب إلى أهم محطات حياته الدراسية والفنية، وإلى أهمية دوره في المشهد الفني البصري في الداخل الفلسطيني المحتل.

في مقدمته عن الفنان عبد عابدي يتحدث حسني شحادة، رئيس قسم الفنون البصرية في كلية ليفنسكي للتربية (تل أبيب) وأستاذ محاضر في أكاديمية بتسلئيل للفنون (القدس) وباحث في تاريخ الفن الإسلامي والفن الفلسطيني المعاصر، عن أثر مشهدية الشتات الفلسطيني في ذاكرة الفنان. فمثل معظم العائلات التي وجدت نفسها مطرودة من منازلها، كذلك عاش عابدي مع عائلته بين المخيمات الفلسطينية في بيروت وسوريا. ليعود بعد ثلاث سنوات مع عائلته إلى فلسطين.

يروي عابدي ما يحمله في ذاكرته عن الوقوف في ميناء حيفا مع مئات الفلسطينيين ليصعدوا إلى البواخر وسط تشجيع جنود الانتداب البريطاني الذين أرادوا مغادرتهم دون عودة. وبعد أن تمكن بعضهم من حول والده قاسم عابدي خان الخيول الذي يمتلكه إلى مأوى لكل من فقدوا منازلهم من أهل المدينة.

ظهرت اهتمامات فنية لعابدي في عمر السابعة عشرة في فترة كانت فيها الفنون البصرية مقتصرة على الأعمال اليدوية والهواية بهدف الترفيه عن النفس، والكلمة هي التي كانت بارزة في الأنماط الأدبية المتعددة. غير أن تداعيات النكبة والنكسة، يقول عابدي، أسهمت في حث الفلسطينيين على البحث عن وسائل تعبيرية أخرى، ليصبح الفن البصري هو نقطة مفصلية في نمو الثقافة في المشهدين العربي والفلسطيني


يؤمن الفنان عبد عابدي، أن تداعيات النكبة والنكسة أسهمت في حث الفلسطينيين على البحث عن وسائل تعبيرية خارج إطار الكلمة المكتوبة، ليجدوا في الفنون البصرية ضالتهم، ما شكل نقطة مفصلية في نمو الثقافة في المشهدين العربي والفلسطيني


شارك عابدي في معرض عام 1962، سبق دراسته المتخصصة، في تل أبيب مع الفنانين يوشوع دوسبار وناحوم غوتمان، ليشكل بذلك أول اختراق لفنان فلسطيني بعد النكبة للمدينة التي احتلت المناخات الفنية من مدينة يافا في محاولة لخلق حوار مع الآخر عبر الفن البصري. ما سُجل في تاريخ رفع مستوى الإبداعات البصرية إلى “محاكاة للضمير ومحاورة الآخر” عن طريق أعمال فنان فلسطيني شاب ينقل الانطباعات الوجدانية لشعبه.

لوحة اللاجئين 1961، “تمثل أسئلة راودت كل فلسطيني مسّته تجربة التهجير”، يقول  عابدي، “أين ذهب أشقائي؟ وكيف تشتت عائلتي؟ وكيف اتجهنا إلى أماكن اعتقدناها مؤيدة لقضيتنا لنفاجأ بردة فعل معاكسة: كمثل كل فلسطيني، عشتُ التشرد وعشتُ الرجوع، والتفاؤل بإمكانية التحرير، وعشتُ الخيبة أيضاً”.

دريزدن، وفن الغلابة

كان عابدي من أوائل الفلسطينيين الذين قرروا الخروج من الحصار في أراضي الاحتلال والسفر إلى الخارج لدراسة الفنون حين حصل على منحة إلى جامعة دريزدن في ألمانيا الشرقية الاشتراكية آنذاك. ويصف وجوده في ألمانيا بأنه “فرصة للتعرف على حضارة غزيرة وثقافة غنية”. وقد كان للفنانة الألمانية كيتا كولويتز أثر عميق على تجربته هناك، فهي كأستاذتها ليا غرونديغ التي تتلمذت على يدها، كانت فنانة “الغلابة”، على حد تعبير عابدي

وقد ساعدته ليقترب من ثقافة عالمية تتضامن من خلالها كل الشعوب المضطهدة، وآمنا معاً، بأهمية الفن في تشكيل عالم أنقى وأمثل، ما ساهم في توسيع آفاقه المهنية والثقافية. وفي دريزدن قام برسم انطباعاته عن النكسة في لوحة النكسة عام 1967، ونفذ في القصر الثقافي فيها بالمشاركة مع الكثير من زملائه لوحة جدارية ضخمة صممها البروفيسور غيرهارد بوندزن، بلغ طولها 50 متر وارتفاعها حوالي 7 أمتار (The Path of the Red Banner 1969). وبرأيه فإن أهمية هذه الجدارية تكمن في أنها وضعت مراحل التاريخ الألماني كحالة دراسية من خلال التمثيل البصري لها. وهذا ما تأثر به عابدي وحاول أن يعكسه من خلال نقل مراحل التاريخ الفلسطيني بصرياً إلى خارج أسوار دولة الاحتلال

عاد عابدي من ألمانيا في نهاية عام 1971 لينخرط في العمل القومي الفلسطيني من خلال عدة نشاطات فنية وسياسية واجتماعية.

الرسام الغرافيكي والمُدرّس

يذكر حسني شحادة أن عابدي بدأ يعمل، بعد عودته من ألمانيا، كرسام ومصمم غرافيكي في صحف فلسطينية محلية مثل جريدة الغد وجريدة الاتحاد، وأن هذه الصحف كانت توزع سراً إلى منازل الفلسطينيين في الداخل. والفنان عابدي يعتبر مساهماً في النقل مشهد بصري رافق هذه المنشورات عن الحكاية الفلسطينية التي لم يُسمع عنها في الخارج.

وقد التصق فن عابدي بنهوض الحركة الأدبية الوطنية في فلسطين، لتترافق إصدرات مهمة لأعلام الأدب الفلسطيني مع رسوماته على أغلفتها. نذكر منها لوحته لغلاف رواية إميل حبيبي الشهيرة “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل”، و”بوابة مندلبون” لقصة كتبها حبيبي عن البوابة التي كانت المعبر الوحيد بين شطري القدس. ليجسد عابدي، بصرياً، تجزيء القدس وحالة انقسام الشعب الفلسطيني بعد النكبة.

كما أنجز مجموعة من اللوحات تحمل عنوان “قصص النكبة وما نسينا” لسلسلة قصص الأديب سلمان الناطور “وما نسينا” مجسداً فيها الجغرافيا الفلسطينية المتمثلة بحارات وشوارع مدينة حيفا، مازجاً بين الذاتي والوطني من خلال سيرته وسيرة أهل مدينته ككل لا يتجزأ عن المأساة الفلسطينية.

وفي عام 1964 قام بتنفيذ رسوم لمجموعة الشاعر سميح القاسم “أغاني الدروب”، بناء على طلبه كما ذكر القاسم نفسه في إحدى مقالاته: “منذ بداية الطريق لفتت نظري ريشة عبد عابدي بما اقترحته من استثنائية مميزة. ولهذا رأى القاسم أن لوحاته تشكل “تعبيراً قوياً وعميقاً عن الهاجس الشعلاي المتوهج” الذي اتسمت به قصائد تلك المرحلة. القاسم الذي عمل مع عابدي في صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد ومجلة الغد، رأى أن لوحات عابدي كانت دائماً ما تسند القصيدة بالقدر الذي تسند فيه القصيدة اللوحة.

ولعل من أهم التعاونات مع الحركة الأدبية كان تصميم غلاف كتاب “بأم عيني” (1975) للمحامية اليهودية فليتسيا لانغر المناهضة لسياسات الاحتلال الصهيوني والمدافعة عن حقوق الأسرى الفلسطينيين. وتستهل الكتاب بقولها: “أنا شخصياً، أنا اليهودية، أنا سليلة العائلة اليهودية التي فقدت عائلتها في المحرقة النازية، بأم عيني، شاهدت الفظائع التي يرتكبها هذا الاحتلال وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني”. ومن هنا جاء اختيار عنوان الملتقى “لاسترجاع تاريخ الحقوقية لانغر، وتقديراً لجهودها”.

يشير عابدي إلى مشروعه التدريسي الذي هدف من خلاله إلى تعليم الفنون لمجموعة من الشباب الفلسطينيين في قرية في الجليل في مبنى تابع للمجلس المحلي الفلسطيني. ليصبح العديد من الفنانين الملتحقين بالدورة فنانين مشهورين مثل ابراهيم نوباني وأسامة سعيد، الذين وجدوا في عابدي قدوة للفنان الذي استطاع إيصال الفن الفلسطيني المحصور داخلياً إلى العالم الخارجي. استمرت هذه الدورات الفنية من عام 1971 وحتى عام 2000 وهي أطول مدة لدورة تابعة للمجلس المحلي كما يشير عابدي.

الفنان الحداد الذي يسكن في شارع حداد

من بين الأغلفة التي صممها عابدي كانت لوحة ترافقت مع قصيدة الشاعر محمود درويش “أنا يوسف يا أبي”. ويشير عابدي إلى علاقة الصداقة الشخصية والشراكة المهنية المميزة التي كانت تجمعه بالشاعر: “كوني ابن حيفا، مثل محمود درويش، كنت وأبناء جيلي متعطشين لمحاكاة الكلمة الشعرية التي كان درويش رائداً في إدخالها إلى المدينة”. 

توطدت علاقته بالشاعر بعد معرضه الأول بصفته عضواً في لجنة اتحاد الكتاب الفلسطينيين. وقد كان له نصيب في أن يجلس درويش أمامه ليكون موضوعاً للوحته (بورتريه 1962). وقد كتب درويش قي إحدى مقالاته عن عابدي واصفاً إياه ب”الفنان الحداد القادم من شارع حداد”. في إشارة من درويش إلى دراسة عابدي لمهنة الحدادة في المدرسة الصناعية وميله للاهتمام بمنحوتات النحاس والحديد.

ويجدر الذكر أن لعابدي تجربة وحيدة في الديكور المسرحي والإخراج تعاون فيها مع المخرج رياض مصاروة الذي درس الفن البصري في ألمانيا الشرقية من خلال مسرحية “رجال في الشمس” (1980) المأخوذة عن رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني بعد مقتله، والتي صمم ملصقها، ورسم لوحة أخرى لها تفرد فيها في التعبير عن تصوراته الانطباعية لأحداث الرواية.

شذرات من التاريخ في لوحة

يعد النصب التذكاري الذي صممه عابدي في ذكرى يوم الأرض (1978) لتخليد ذكرى المجزرة التي ارتكبت بحق متظاهري الجليل عام 1975، أول نصب يعرض لفنان فلسطيني في دولة 48. ويذكر عابدي أنه استعان بالفنان اليهودي غريشون كنيسبل، الذي رحب وتعاون بمنحه الأدوات التي لم يكن يمتلكها آنذاك، تكريساً منه لإيمانه بمناصرة قضايا المضطهدين في العالم


يذهب عابدي بعيداً في تقديم التاريخ الفلسطيني ليس من وحي الحدث فحسب، وإنما المادة أيضاً. حيث يستخدم في لوحاته قطعاً من بلاط الأحياء الفلسطينية المحتلة متحدياً سلطة الاحتلال وموثقاً التاريخ الفلسطيني الذي تريد طمسه


غير أن عابدي يذهب بعيداً في تقديم التاريخ الفلسطيني ليس من وحي الحدث فحسب، وإنما المادة أيضاً. حيث يستخدم “الخيش” في معرضه عام 2013 كمدلول على تجذر ألم مخيم اللجوء الفلسطيني عميقاً في نفسه، وهي المادة التي كانت مستخدمة في مخيمات الأنروا للاجئين في جنوب لبنان. وفي معرض “الصورة الوسطية” (2017)، يقرر عابدي القيام “بفعل غير قانوني” على حد تعبيره يتمثل في ذهابه إلى الأحياء الفلسطينية المحتلة التي هدم جزء كبير منها في حيفا وأخذه أجزاء من بنائها وبلاطها الذي يعد الآن ملكية إسرائيلية، ليدخلها في إطار لوحاته. وكأنه فعل مزدوج من التحدي لسلطة الاحتلال، يخترق الكيان المحتل ويوثق التاريخ الفلسطيني المراد طمسه من قبله.

في “لوحة الساعة الثانية ظهراً” يسجل عابدي التاريخ الذي فر فيه الفلسطينيون على متن البواخر بدون هويات أو جوازات سفر، ليعجز أغلبهم عن العودة إلى أراضيهم ومنازلهم المستلبة. وفي مداخلتها في الملتقى تقول الفنانة سامية حلبي: “ما يفعله عابدي هو فعل مضاد أقوى من السلاح لمحاربة المحاولات الإسرائيلية لمحو تاريخ وهوية الأرض الفلسطينية”.

تغطية رصيف22

..

.

Leave a Reply

I accept the Privacy Policy * for Click to select the duration you give consent until.

Recent Posts

الفنان عبد عابدي … يستحضر الماضي القريب بالذاكرة البصرية
مايو 12, 2020By
عبد عابدي: السرد البصري حالة من محاكاة الوجدان
مارس 16, 2020By
الفنان التشكيلي عبد عابدي وجائزة فلسطين للإبداع والفنون
يناير 17, 2020By
الفنان عبد عابدي يثمن حصوله على جائزة فلسطين للفنون: انجاز أقلية بقيت صامدة في وطنها
يناير 15, 2020By
أعمال عبد عابدي: سرديّة بصريّة للحرب والمنفى
مايو 20, 2019By
معبد شيخ الفنّانين الفنان عبد عابدي
مايو 20, 2019By
الفنان الحيفاوي عابدي لـ”القدس للأنباء”: النكبة شكلت حيزاً هاماً من تطوري الإبداعي
نوفمبر 20, 2018By
معرض الفنان عبد عابدي ” خواطر بصريّة “
أبريل 30, 2018By
لطفية عابدي أيقونة مخيم اليرموك
يناير 15, 2017By
مسرح “الميدان” ينتخب رئيسًا للمجلس العام وإدارة جديدة له
ديسمبر 8, 2015By

Recent Works

Related Posts

We are using cookies to give you the best experience. You can find out more about which cookies we are using or switch them off in privacy settings.
AcceptPrivacy Settings

GDPR