العربية➤اختيار لغة الموقع ﹡﹡عبد عابدي: الموقع الرسمي والارشيف الرقمي ﹡﹡

حقائق حول “قصة يوم الأرض” لم تنشر من قبل..

د. سليم مخولي ـ كفرياسيف

المصدر: موقع رابطة ابداع

مناسبة إحياء الذكرى الواحدة والثلاثين ليوم الأرض وإقامة ندوات ومعارض صور عن قصة النصب التذكاري لشهداء يوم الأرض الذي أقيم في سخنين، طلب مني الزميل الفنان سلام منير ذياب، أحد النشيطين في هذه الندوات والمعارض، أن أكتب ما أعرفه من قصة هذا المشروع، بصفتي كنت عضو سكرتارية لجنة الدفاع عن الأرض وأمين صندوقها وممول المشروع في بدايته والمشرف على إنجازه، وذلك لذكره في الندوات كجزء من عملية إحياء ذكرى يوم الأرض الخالد دفاعا عن أرضنا، أرض الآباء والأجداد، وحقنا في العيش الكريم عليها، وحفظا لتاريخ شعبنا ليعرفه الجيل الجديد ويكمل المسيرة التي لم تنته بعد… 

طرحت فكرة إقامة نصب تذكاري لشهداء يوم الأرض في سكرتارية لجنة الدفاع عن الأرض من قبل المرحوم صليبا خميس فلاقت استحسانا من الجميع، إلا أنه بعد فترة وفي اجتماع اللجنة في كفرمندا في بيت رئيس المجلس، عضو اللجنة محمد زيدان، أعلن صليبا في بداية الجلسة بأن تكاليف مشروع إقامة النصب التذكاري لشهداء يوم الأرض باهظة جدا ،تقارب 70 ألف ليرة في حينه، أي ما يقارب 70 ألف شيكل اليوم، “وهذا مبلغ كبير مقارنةً بإمكانياتنا المتواضعة، فقط حكومة تستطيع إنجاز مشروع كهذا!.. لذلك سنتنازل عن فكرة المشروع…” وكان صمت.   أحسست بأن الجميع لا يرضيهم التنازل وإلغاء المشروع أوهكذا فكرت على الأقل، فقد كان خبر إلغاء المشروع صدمة بالنسبة لي لما أرى من أهميته كرمز مرئي ينتصب أمام المشاهد صارخا معبرا عن فكرتنا التي نعمل جاهدين من أجل إيصالها للجميع بواسطة الكلمة في اجتماعاتنا وبياناتنا… تابعنا بحث مواضيع اجتماعنا إلى أن وصلنا إلى يوم إحياء الذكرى الثانية ليوم الأرض، عندها سألت صليبا، هل سبب إلغاء مشروع النصب هو القضية المالية فقط كما ذكرت؟ أجاب:” فقط هو كذلك”. قلت: أنا مستعد أن أدفع ما يجب للبدء في العمل حتى إنجازه ونجمع تبرعات فأسترد ما دفعت. عندها انفرجت أسارير الجميع وقال صليبا: فليكن ذلك ولتكن أنت المشرف على هذا العمل، فاتصل بعبد عابدي ليستمر في عمله… التقيت الفنان عبد عابدي في مكان عمله آنذاك في سنت لوكس في حيفا، وشرح لي عن العمل وما علينا شراؤه من مواد أولية من كلكر وأدوات عمل، وأعطيته شيكا أوليا على الحساب تلته دفعات أخرى وتفرغ من العمل في جريدة الإتحاد ليعمل مع تلاميذه في مشروع النصب.

استمر العمل كما هو مخطط حتى جاء دور سكب الأولومنيوم. أخبرني عبد بأن هذه مادة مكلفة وصاحب العمل يريد مبلغا على الحساب. قمت بزيارة صاحب ورشة العمل السيد عبدالله عمريه في بيته في إبطن برفقة المرحوم يوسف توفيق شحاده من كفرياسيف، حيث استقبلنا بالترحاب مبديا غيرته وتحمسه للمشروع. السيد عبدالله صاحب خبرة وفنان في سكب الأولومنيوم، شرح لنا كم هو شاق ومتعب مثل هذا العمل ومكلف أيضا، فأخبرته بأن المشروع شعبي وكلنا متبرعون لإنجاحه، فأبدى تجاوبا معنا على أن يجعل التكاليف أقل ما أمكن، وأعطيته شيكا على الحساب وتلته دفعات أخرى كان آخرها في بيت المرحوم رمزي خوري في عكا. ومع الوقت كان العمل جادا من قبل لجان الأرض كل في بلده لجمع التبرعات. موازيا لهذا أصدر عبدالله خلايله ويوسف أبو ريا ،من لجنة أهل الشهداء، لوحة فنية بريشة الفنان سليمان منصور، رسم فيها وجوه الشهداء الستة في أعلى اللوحة من اليمين، خير ياسين

عرابه، محسن طه – كفركنا، خديجة قواسمة – سخنين، رجا أبو ريا – سخنين، خضر خلايلة – سخنين، رأفت علي زهيري – نور شمس. وفي أعلى اللوحة من اليسار حمامة بيضاء خارجة من أسار قيود تحتها منطلقة إلى غصن زيتون وأشكال أخرى. وفي اللوحة قصيدة للشاعر المرحوم منيب مخول. اللوحة سميت “يوم الأرض”، كتب عليها: يرصد ريعها لتمويل إقامة نصب تذكاري ومساعدة مشوهي أحداث يوم الأرض. كانت عقبة في تسليم أموال ما جمع من ريع اللوحة إلى لجنة الدفاع عن الأرض وذلك على خلفية ما نشر في جريدة الإتحاد بأن هذه اللوحة لا علاقة لها بلجنة الدفاع عن الأرض الشيء الذي جعل المسؤولين عن إصدار تلك اللوحة يرفضون تسليم أي مبلغ من المال للجنة الدفاع عن الأرض رغم توجهات بعض المسؤولين من اللجنة إليهم.   كنا في ضائقة مالية رغم ما تم ج ر معه من أموال التبرعات في حينه والعمل قد قارب نهايته!… قلت أجرب حظي، وزرت يوسف أبوريا، أخ الشهيد رجا أبو ريا، وهو أحد المسؤولين في لجنة أهل الشهداء. كان ذلك قبيل الشتاء وكان يوسف على سطح داره يعمل بمد الزفتة على السطح تحضيرا لفصل الشتاء. وبعدما أنهى عمله كان لي معه حديث ودي فابتهج ووافق على تحضير المال لسداد ما يلزم من تكاليف النصب. عقبة ثانية كانت من قبل السلطة إذ لم تسمح بإقامة النصب في أي مكان، لا في دوار على مفترق طرق ولا في ساحة عامة، ورفضت إعطاء أي ترخيص لذلك !.. السبب واضح. لكن لجنة الدفاع عن الأرض وجدت الحل، بصورة إلتفافية، وهو أن تكون المقبرة في سخنين هي المكان، وهذا لا يحتاج إلى ترخيص.  

بعدما انتهى السيد عبدالله من عمله في سكب الأولومونيوم كان الدور النهائي، تحضير القاعدة للنصب. زرت سخنين مع الفنانين عبد وكنسبيل فوجدنا أهالي سخنين قد باشروا بهمة عالية في تحضير القاعدة من الباطون وكان العمل يسير بسرعة ورغبة عارمة كأن كل شخص يعمل عملا عزيزا عليه قريبا إلى قلبه!.. وتم بعدها تثبيت لوحات الأولومنيوم على القاعدة، غير أن المحراث وضع على الأرض إلى جانب النصب لأن السلطة منعت وضعه فوق النصب بحجة أنه يبدو كمدفع!… لا بأس فليكن إلى جانب النصب فالأرض هي مكانه الطبيعي !… 

وكان يوم ثلاثين آذار سنة 1978، الذكرى الثانية ليوم الأرض، وفيه تم إزاحة الستار عن النصب في احتفال مهيب. وقد صوّرت بعض أجزاء هذا الاحتفال بفيلم متحرك .  أما الأموال، فقد تبرع شعبنا المعطاء بسخاء، إن كان ذلك إلى لجان الدفاع عن الأرض في مدننا وقرانا أو إلى لجنة أهل الشهداء، وهكذا استطعنا إنجاز هذا العمل الذي بدا أكبر بكثير من طاقتنا . وللحقيقة أقول، عندما قمت مع المرحوم رمزي خوري بجرد حساب المصاريف وما جمع من أموال تم إعادة جل ما دفعت من حسابي الخاص وبقي الآخر كتبرع مني لعدم وجود المال الكافي.

إنّي أرى العبرة الآن ممّا أنجزنا في حينه، وهو: أولا قيمة العمل الكبيرة التي ستبقىحية في ذاكرة شعبنا عن يوم الأرض مجسمة في عمل فني رائع رغم كل المتاعب والعراقيل، وثانيا حرارة وروح العمل والتضامن والتعاون الذي أبداه أبناء شعبنا في الالتفاف حول لجنة الدفاع عن الأرض وتقديرهم الكبير ليوم الأرض وإحياء ذكراه كيوم نضالي في تاريخنا، وإحياء ذكرى شهدائنا والدماء التي أريقت على غير حق، وكذلك ما قدمه أبناء شعبنا من تبرع ومساعدة في إنجاح مشروع النصب التذكاري الهام. كل هذا عبرة لما يمكن إنجازه إذا اتحدنا وتعاضدنا في مواجهة كل تحدٍّ وتذليل للصعاب،علما بأن قضيتنا والأرض قضية حق ووجود لم تنته بعد، وعلى الأجيال الجديدة متابعة المشوار… 

Let your voice be heard! Share your thoughts and ignite the conversation. Your comments matter!

المشاركات الاخيرة

الفنان عبد عابدي… يروي حكاية حيفا في ذكرى احتلالها
أبريل 29, 2024By
لا يوجد هناك مكان: معرض في متحف الفن الحديث في فرانكفورت
مارس 25, 2024By
دعوة: أصوات من مشروع المقابلات “الفن في الشبكات” يوم 21 مارس في الألبرتينوم
مارس 18, 2024By
أصداء البلدان الشقيقة / بيت الثقافات العالمية في برلين
فبراير 10, 2024By
“على هذه الأرض” يجمع الفنانين العرب حول فلسطين
نوفمبر 27, 2023By
البرتينوم: رومانسيات ثورية؟ تاريخ الفن العالمي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية
أكتوبر 31, 2023By
ترميم جدارية عبد عابدي في حيفا
أغسطس 10, 2023By
مجموعة تشوكاكو: رحلة ألوان
أغسطس 6, 2023By
بلد من كلام الحلقة السادسة: عبد عابدي
يوليو 10, 2023By
بلاد الكلمات”: بودكاست جديد باللغة العربية من جامعة برلين الحرة يجعل الشخصيات الرئيسية في الأدب الفلسطيني قابلة للسماع
يوليو 10, 2023By

الأعمال الأخيرة

GDPR

اكتشاف المزيد من عبد عابدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading