ar➤اختيار لغة الموقع ﹡﹡﹡عبد عابدي: الموقع الرسمي والارشيف الرقمي ﹡﹡﹡الاحتفال بالذكرى السنوية العشرين لتاسيس الموقع﹡﹡﹡

رجال في الشمس

طال بن تسفي

رجال في الشمس: الفنّانون

الفنّ لدى عبد عابدي يرتكز في الأساس إلى حيّز أوتونومي من لغة الأدب والصحافة العربية. في العام 1964 سافر عابدي لدراسة الفنّ في دريزدن ورسم هناك رسومات تخطيطية كثيرة نُشرت في الصحافة العربية، وظهرت فيها شخصيّات للاجئين في فضاء تنقصه الهوية الجغرافية المحدّدة. في الرسم التخطيطي “بدون عنوان”، 1968، تتعرّج قافلة من اللاجئين مثل ثعبان تحت الشمس اللاهبة، مثل تلك القوافل الطويلة لمهجّرين قطعوا الطريق نحو المجهول. في رسم تخطيطيّ آخر من السنة نفسها، تظهر شخصية امرأة فلسطينية ومعها طفلة تحت شجيرة صبّار، وتشهد هذه الشخصية على أنّ اللجوء الذي يصفه عابدي لا يستند، في الأساس، إلى تجربة حياة مخيّمات اللاجئين في العالم العربي، وإنّما يصف، أيضًا، اللاجئين الداخليين داخل حدود عام 1948.

 

بعد عودته من الدراسة، عمل عابدي بين السنوات 1972 و 1982 محرّرًا غرافيكيًا لصحيفة الحزب الشيوعي باللغة العربية، الاتحاد، وللمجلة الأدبية الجديد، وترك تأثيرًا على الثقافة البصرية لدى الأقلية الفلسطينية في إسرائيل. بين السنوات 1980 و 1982 نشر سلمان ناطور في الجديد مجموعة من القصص القصيرة بعنوان “وما نسينا”، تناولت أحداث نكبة العام 1948. وقد أدّى دور الراوي في هذه القصص شيخ مسنّ مشقّق الوجه. وقد افتتح جميع القصص رسم تخطيطيّ بريشة عابدي، وتمّ دمج عنوان القصة في الرسم. فمثلاً، في الرسم التخطيطي الذي يفتتح قصة “من البئر حتى جامع الرملة”  تبدو شخصية الرجل المسنّ وقد اعتلى تعبير حزين وجهه المليء بالتجاعيد فيما يقوم بمدّ يديه بمنظور على شكل صليب؛ إلى جانبه تظهر نساء متفجّعات وأمام أرجلهنّ جثمان لميت ملفوف بالكفن. تحت الرسم التخطيطيّ، يصف “الشيخ مشقّق الوجه” ما وقع في سوق الأربعاء في مدينة الرملة في العام 1948، مشهد تفجير قنبلة تمّ وضعها بين بسطات الخضار وأدّت إلى قتل العديد من السكان. التوتّر القائم بين النصّ الذي يتناول العنف والفقدان وبين المنظور الأفقيّ المجرّد المشار إليه فقط بواسطة خطّ خارجيّ لمئذنة المسجد، يشحن الرسم التخطيطيّ بمنظومة رمزية تتجاوز الزمن. فالجثمان المُمدّد، والذي تمّت تغطية وجهه، هو ضحية عينية وكونية في الوقت نفسه.

في رسومات تخطيطية أخرى، تعود الجدليّة ما بين النصّ المُفصّل وبين طابع الرسم التخطيطيّ الرمزي. المثال على ذلك هو أنّ الرسم التخطيطيّ “مصيدة في خبيزة” الذي يصف مجموعة نساء يتأمّلن من جهة جانبية في أسوأ ما يمكن أن يقع. مجموعة النساء ترافق، أيضًا، قصّة “مثل هالصبر في عيلبون”. تظهر في الرسم التخطيطيّ شخصية جريحة ممدّدة على الأرض وشخصية امرأة تلمس وجهها بيد متردّدة. من الخلف، يُعرض عدد من الشخصيات لنساء يغطّين وجوههنّ بأسى. هذه الشخصيات مموضعة في حيّز خالٍ من الناس، بعيدًا عن أيّ موقع مأهول وعن أيّ مصدر للمساعدة. الشخصية الممدّدة على الأرض مذكورة في القصّة وهي لشخصية مركزية في قصّة المذبحة في عيلبون؛ شخصيّة سمعان شوفاني، خادم الكنيسة المارونية الذي ظلّ جثمانه ملقى إلى جانب الكنيسة.    

التوتّر القائم بين النصّ المُفصّل وبين الرسم التخطيطيّ الرمزيّ ملموس، أيضًا، في رسم تخطيطيّ تحضيريّ لمسرحيّة “رجال في الشمس”. في العام 1979، صمّم عابدي ديكور مسرحية “رجال في الشمس” التي عُرضَت باللغة العربية في مسرح الميدان في الناصرة والتي أخرجها رياض مصاروة. في الرسم التخطيطي التحضيري، يظهر مربّع مقسوم إلى قسمين مختلفين: في الجهة الأولى هناك ثلاث شخصيات تعتمر الكوفية، وأجسادها مرسومة بخطوط خارجية فقط؛ الشخصيات المزدحمة ترفع أيديها إلى الأعلى ويبدو أنّها موشكة على السقوط نحو الجهة الأخرى من الرسمة. في الجهة الأخرى، تتمدّد ثلاث شخصيات، كأنّها جثث، على الأرض، وجه إحداها يتّجه نحو الأعلى، بينما يتّجه وجها الأخريين نحو الأرض. في حين أنّ الشخصيات الواقفة تقوم بالصراخ وتحدّدها الكوفيات على أنّها شخصيات عربية، حيث أنّ الشخصيات الممدّدة لا تعتمر الكوفية ويُشار إليها، بالتالي، إلى أنّها تمثّل معاناة كونية في حيّز مجرّد تمامًا.

في الرسومات التخطيطية للاجئين، في الرسومات التخطيطية لمجموعة “وما نسينا”، وفي الرسومات التخطيطية التي رافقت مسرحية “رجال في الشمس”، تمّت موضعة الشخصيات في حيّز جغرافيّ مجرّد، تم رسمه، أحيانًا، بشكل غرافيكيّ، بعدد من الخطوط فقط. الشخصيات التي تمّت موضعتها على الورق الأبيض تستمدّ قوّتها المحلية، العينية، من الحيّز النصيّ، الأدبيّ. هذا الحيّز النصيّ يشمل كتابة أدبية غنية لكتّاب وشعراء، مثل أميل حبيبي، أنطون شمّاس، محمد علي طه، سلمان ناطور، سميح القاسم وغيرهم، ما يضفي على الرسومات التخطيطية السياقات السياسيّة العينية لفترتها الزمنيّة.

source


Leave a Reply

المشاركات الاخيرة

مريم والمسيح في الفن الفلسطيني.. درب الآلام الموعود بالخلاص
يناير 7, 2022By
٢٠ عام على اقامة ارشيف عبد عابدي الرقمي
يناير 6, 2022By
من شقًي البرتقالة بافتتاح معرض الفنان اديب خليل
نوفمبر 30, 2021By
لوحة لن تفارق حيفاها
نوفمبر 29, 2021By
إزاحة الستار عن النصب التذكاري للدكتور رمزي توفيق أسعد
سبتمبر 29, 2021By
كلمة الفنان الرسام المبدع عبد عابدي في امسية اشهار كتاب “ذكريات في تقاطع الألوان”
سبتمبر 27, 2021By
بلدٌ وحدُّهُ البحرُ: محطّات من تاريخ السّاحل الفلسطيني – المتحف الفلسطيني
سبتمبر 20, 2021By
افتتاح معرض لوحات الفنان الفلسطيني الحيفاوي المخضرم عبد عابدي بعنوان “حوار في حاضرة المكان”
يوليو 2, 2021By
عبد عابدي | أنا والمكان مكان
يوليو 1, 2021By
على طريقة حيفا- معرض جديد على شرف الذكرى السبعين لمتحف حيفا للفنون
يونيو 16, 2021By

الأعمال الأخيرة

GDPR