
كنتُ، وحتى الآن، أُحاور مواضيعي الفنية عبر الحوار البصري من خلال عملي الفني. لكن في الفترة الأخيرة، وبسبب كثرة لقاءاتي مع الجمهور في مدينتي حيفا، وفي مدن دريسدن وبرلين في ألمانيا، بدأتُ أُدرك أن سرد القصة الإبداعية يحتاج هو أيضًا إلى حوار بصري وشفهي، وتسجيل صوتي، وكتابة نصية. لذلك فإنني أسرد إجاباتي على أسئلتك لأجل تسجيل مهم لمسيرتي الإبداعية.
بداية، أود أن أشرح لك ملابسات إقامة النصب التذكاري في مدينة سخنين.
أُقيم هذا العمل، وهو الأول من نوعه في الحيّز الفلسطيني في الداخل الإسرائيلي، كردّ فعل على العدوان الذي قامت به قوات حرس الحدود والشرطة ضد متظاهرين احتجوا على مصادرة أراضيهم والتضييق على سكان القرى في الجليل، وللمطالبة بتوسيع مسطحات قراهم.
قُتل في هذه المظاهرة السلمية ستة أفراد من مناطق عدة، وكان ذلك بتاريخ 30 آذار 1976. كنتُ آنذاك أعمل مصممًا في القسم الغرافيكي في صحيفة “الاتحاد” ومجلات عربية أخرى، وذلك بعد عودتي من إنهاء دراستي الأكاديمية في مدينة دريسدن (ألمانيا الشرقية) عام 1972.
تركزت دراستي على فن الغرافيكا، ورسوم الحائط، والنحت. وكانت لديّ نية نشر الفنون الجميلة بين الجمهور، نظرًا لقلة العاملين في هذا المجال آنذاك.
توجهت إليّ مباشرة “لجنة الدفاع عن الأرض”، التي تشكلت من رؤساء مجالس وناشطين ومثقفين، من أجل إقامة هذا النصب لتخليد ذكرى الذين استشهدوا دفاعًا عن الأرض.
عندما بدأتُ بالتصميم، شعرتُ بأن هناك حاجة لإشراك الفنان التقدمي اليهودي غرشون كنيِسْبِل، صاحب الخبرة في هذا المجال، والذي عمل لسنوات في البرازيل مساعدًا للمهندس العالمي أوسكار نيماير، ولأنه يمتلك الخبرة في صبّ المواد، ولديه المكان المناسب لإجراء عملية النحت. وهكذا تفاعل معي الزميل كنيِسْبِل، وتفاعلتُ أنا أيضًا مع المكتسبات التي ساهمت في بلورة ما نصبو إليه.
كما ذكرت، رجعتُ من دراستي في ألمانيا وأنا أحمل هموم وقضايا الناس، وكذلك العبء الثقيل، كوني وُلدت قبل النكبة (عام 1942) في مدينتي حيفا، التي هُجّر أهلها وطُردوا من أوطانهم، ومنهم عائلتي التي تشتت في دول الجوار وفي مخيمات من القماش، وعانت من معاملة غير لائقة.
وللحقيقة، فإن عائلتي الصغيرة استطاعت العودة ضمن ما يسمى “لمّ الشمل”، وذلك بسبب بقاء الوالد في حيفا رغم كل ما حدث من تشريد ومصادرة أملاك الغائبين، وتمييز عنصري، وعدم مساواة، وإقامة نظام حكم عسكري لتنقل الأفراد، وتدخل رجال الأمن في كل صغيرة وكبيرة. ناهيك عن تدمير أكثر من 560 قرية فلسطينية، وطمس الهوية الفلسطينية.
لقد آمنتُ بأن العمل المشترك مع فنان يهودي، والانضمام إلى الشبيبة الشيوعية ثم إلى الحزب، هو خيار مهم، ويتماشى مع ما أصبو إليه من نضال مشترك من أجل المساواة والحق والسلام.
أود التذكير بأنه بعد الانتهاء من إقامة النصب التذكاري في المقبرة الإسلامية، متحدّين سلطة البناء والترخيص، ومتحدّين التهديد بهدم هذا الإنجاز، أنجزنا كتابًا (كاتالوغ) أسميناه: “قصة النصب التذكاري”، وصدر بـ 500 نسخة.
كتبتُ أنا مقالًا حول ظروف إنشاء هذا الصرح وعلاقته بالعمارة الإسلامية والتقاليد التي استبعدت إقامة عمل نحتي، وكذلك مسألة شواهد القبور. كما كتب غرشون كنيِسْبِل مقالًا حول الأنصاب التذكارية وعلاقتها بالبيئة، ومن بينها فكرة “إبعاد الأرواح الشريرة”، وهي مستمدة من تقاليد الشعوب لإبعاد الشر والكراهية والحقد، التي تتواجد للأسف لدى الكثيرين في المجتمع الإسرائيلي.
وقد كتبنا عبارة في زاوية من النصب مفادها أننا بنينا هذا الصرح تعبيرًا عن رغبتنا في العيش المشترك وسلام الشعوب.
أود التأكيد أن التعامل مع الإبداع البصري هو حاجة ضرورية للتعبير الصامت، لكنه المؤثر في الحوار مع المتلقي. بل هو حوار يكمن فيه كل ما يتعلق بالجمال والقبح، ويُثير ردود فعل عميقة في التعبير والإحساس، وهو أيضًا “محفّز” يحمل تصورًا ودعوة نحو الأفضل وتحقيق ما نصبو إليه.
أود، في سياق علاقتي مع أستاذتي ليا غرونديغ، أن أُسهب في شرح هذه العلاقة.
حين وصلتُ إلى قناعة، في سن مبكرة ومن خلال ممارستي للفن البصري، بضرورة الدراسة الأكاديمية، توجهتُ إلى المسؤولين عن العلاقات الطلابية مع الدول الاشتراكية لمساعدتي في الحصول على منحة دراسية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (1949–1989).
كان اختياري للأكاديمية الفنية نابعًا من إدراكي بأن الثقافة الألمانية ومدارسها الفنية قادرة على فتح آفاق أوسع للمعرفة التي كنت بحاجة ماسة لتطويرها. وكانت الفنانة الراحلة ليا غرونديغ بالنسبة لي المرجعية الأهم.
وبمساعدة اثنين من أصدقائها في إسرائيل، وهما د. ولف أرليخ والمفكر الأديب مردخاي أبي شاؤول، تم قبولي في الأكاديمية الشهيرة هناك، بدايةً كطالب ضيف لدى غرونديغ، ثم كطالب نظامي من السنة الأولى حتى نيل الدبلوم في السنة الخامسة.
كانت تجربة مهمة بالنسبة لي، كوني فلسطينيًا قادمًا من إسرائيل، عايش نكبته عام 1948، في حين أن ليا غرونديغ، ذات الأصول اليهودية الألمانية، هربت من الاضطهاد النازي إلى فلسطين، حيث اعتُقلت لاحقًا من قبل سلطات الانتداب البريطاني، ثم أُفرج عنها.
لم تكن ليا صهيونية، ولم تؤيد الفكر الاستيطاني القائم على إقامة دولة يهودية على حساب تجريد الفلسطينيين من أرضهم.
في عام 1949، غادرت البلاد وعادت إلى وطنها الأصلي دريسدن، لتنضم إلى زوجها هانس غرونديغ، الذي كان من أبرز الفنانين في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.
أعتقد أن حرب الأيام الستة عام 1967 كان لها أثر بالغ على وعيي الفني، وأسهمت في تعميق تجربتي التعبيرية، متأثرًا بأعمال ليا غرونديغ، وكيتا كولوفيتس، وأوتو ديكس، وغيرهم، مما دفعني نحو تعبير أكثر عمقًا، خاصة في مجال الغرافيك، متأثرًا بمدارس فنية عالمية: مكسيكية، وإيطالية، وروسية، وغيرها من فناني المقاومة ضد الحرب والدمار وكراهية الآخر.
ينطبق ذلك أيضًا على أعمال ليا، التي تناولت في فنها الهولوكوست، ورفضت الحروب، وعارضت إعادة تسليح ألمانيا الغربية، وأبدت تضامنًا مع المضطهدين في كل مكان، بما في ذلك الشعب الفلسطيني.
وأعتقد أن العلاقة الشخصية التي تطورت بيننا خلال فترة دراستي ساهمت في تعميق معرفتي وتعزيز البعد الأممي في رؤيتي.
أود التذكير أيضًا بأن مشروع الدبلوم في نهاية دراستي كان يتمحور حول إقامة نصب تذكاري في مدينة كوتبوس الألمانية. وقد اعتمد المشروع على رؤية تضامنية مع الشعوب التي تناضل من أجل استقلالها وحرّيتها، مثل فيتنام وكمبوديا والجزائر، ودول في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
كنت، كما أنا اليوم، أقف إلى جانب الناس في نضالهم من أجل الحرية، وترسيخ الديمقراطية، والسعي إلى حياة أفضل.
وعلى صعيد آخر، أقمت في الجليل أكثر من نصب تذكاري، وساهمت في تنظيم دورات لمبدعين ومبدعات، ودرّست الفنون وتاريخ الفن لمدة ثمانية وعشرين عامًا، سعيًا لتطوير هذا المجال الذي نحتاجه.
شكرًا لمتابعتك، وشكرًا لتحفيزي على الرد الكتابي.
تشوكاكو، هنغاريا – 26.03.2024
عبد عابدي











