
26 كانون الثاني 1962 — «كول هعام»
ج. آدم (غيلا بلاس)
إن المعرض الأول لفنان شاب هو ظهور أول في عالم الفن، ويحمل في طياته مفاجآت أو خيبات أمل. تذهب إلى مثل هذا المعرض بدافع الفضول، وغايتك أن تتعرّف إلى إنسان وفنان جديد، وأن تقترب من تجاربه ومشاعره الخفية، وربما تجد فيها صدىً وتعبيراً عن تجاربك أنت أيضاً… ولكن يرافقك كذلك ظلّ من القلق: لعلّك تلتقي بشخص آخر لا يفعل أكثر من رسم الخطوط وطلاء الألوان، بدرجة من الجودة تزيد أو تنقص، ولا شيء أكثر.
حين ذهبنا إلى معرض عبد عابدي الأول، رافقتنا هذه الأفكار بقوة وإلحاح أكبر من المعتاد. فعبد عابدي رسام شاب يعرض أعماله للمرة الأولى، ومعرضه هو أيضاً أول معرض لفنان عربي في إسرائيل منذ قيام الدولة.
ولأسباب تحتاج، على ما يبدو، إلى تحليل وتوضيح خاصين، لم تجد قوة الإبداع التشكيلي لدى أبناء الشعب العربي المقيمين في إسرائيل تعبيراً عنها. ولعل من بين أسباب ذلك نقص التعليم الكافي والموجّه، وغياب البيئة والحياة الفنية. ومن السهل، إذن، أن نفهم أن المعرض الأول لرسام عربي شاب هو حدث كبير، ليس في حياته الشخصية فحسب، بل قد يكون أيضاً حدثاً ذا أهمية كبيرة في الحياة الثقافية والفنية لشعبه في بلادنا.
إذا كان أحدهم قد توقّع أن يرى في هذا المعرض ألواناً غنية وزخرفية، مميزة للتقاليد الفنية العربية العريقة، فلا بد أنه أصيب بخيبة أمل. أما إذا كان، على العكس، يخشى أن يصادف ألواناً صارخة ونشازاً، فقد فوجئ. فألوان عبد عابدي متحفظة، هادئة، راقية ومفعمة بالدفء. ومن هذه الناحية، لا يختلف عن الفنانين اليهود الشباب من أبناء هذه البلاد. فهو، مثلهم، إسرائيلي في جوهره! وكأفضلهم، اكتسب لنفسه ثقافة لونية حديثة.
وما يميّزه هو أنه يشعر باللون بطريقة حدسية، إذ إن عبد عابدي شاب مرهف وحساس. وبصفته ابن حيفا، فإنه مفتون بجسد مدينته وبحيّه الساحر، حي وادي النسناس. ولوحته «مقابل بيت الفنان» هي واحدة من أجمل الأعمال في المعرض. ألوانها صفراء متوهجة وهادئة، تبعث شعوراً بالسعادة والسكينة.
وفي «حي الحليصة ليلاً» يتغير الجو؛ فمن الخلفية السوداء تتلألأ أضواء خافتة في نوافذ البيوت، وقد تلاشت أشكالها وابتلعها الظلام. وتقف هذه اللوحة على حدود التجريد، من دون أن تتجاوزها، وهي مشبعة بالعاطفة.
أما في الرسم الملوّن رقم 18، فتظهر منطقة وادي النسناس مكشوفة، عارية كما هي في فقرها، من دون ملاطفة الشمس التي تضفي على بيوتها شيئاً من جمالها في اللوحات الأخرى.
وتحتل المناظر الطبيعية القريبة من قلب عابدي — مناظر المدن والقرى العربية، مثل عكا وأبو غوش وطابغة وقرى الجليل — مكاناً مهماً في أعماله. وأجملها وأكثرها تماسكاً هو ميناء عكا؛ وهي لوحة زيتية جيدة، غنية بالألوان، ومفاجئة في معالجتها بالنسبة إلى فنان في مثل هذه السن.
ويستحق منظر «حديقة الأم» تنويهاً خاصاً؛ فهي لوحة متوازنة بدرجات لونية داكنة.
وفي لوحاته الملوّنة يمكن الإحساس بالطبيعة الصامتة والزهور، من خلال حساسية الفنان الشاب الخاصة باللون، بدرجاته الرقيقة والغنية.
إننا نطمح إلى أن نرى في أعمال كل فنان شاب، لا مجرد تصوير لبيئته ومشاعره الشخصية، بل أيضاً تعبيراً عن أفكاره وموقفه من الحياة وأحداثها. ولو كان عبد عابدي، بوصفه فناناً شاباً من أبناء الشعب العربي، قد اكتفى برسم المناظر الطبيعية والزهور، لكان ذلك أمراً مؤسفاً جداً، ولانتقص من فرادته وأهميته كفنان عربي.
لكنه أظهر أن قلبه ليس غريباً عن معاناة أبناء شعبه. ويحتل مكاناً بارزاً في المعرض عدد من التكوينات الحرة التي تعبّر عن قضاياهم الأساسية. ومن بينها تكوينان عن اللاجئين، أفضلُهما العمل الصغير رقم 2. كما أن لوحة عن موضوع «المقبرة» مثيرة للاهتمام جداً من حيث معالجة الموضوع، رغم نقاط الضعف الفنية فيها.
وفي هذا السياق، نذكر أيضاً البورتريهات، ولا سيما لوحة «فتاة عربية»، بألوانها الرمادية الرقيقة والمتحفظة التي تبعث على قدر كبير من الحزن.
ولا تزال رسوم عبد عابدي ضعيفة، وإن كان قد بلغ في رسم «أبو خميس» إنجازاً فنياً، بفضل العاطفة التي تمنحه إحساساً بالتكامل والإيقاع.
عبد عابدي بلا شك فنان شاب موهوب، حساس وواعد. ولم تتح له فرصة كبيرة لدراسة الرسم بسبب ظروف حياته الصعبة. وهذه الحقيقة تجعلنا نقدّر موهبته أكثر.
ومع ذلك، فإننا نرى أنه إذا واصل عبد عابدي دراسته، ونجح في السيطرة مهنياً على مشكلات الرسم واللون والتكوين، فإنه سيصبح رائداً مهماً في الرسم الإسرائيلي العربي، وفناناً جيداً وجاداً .












