دافيد الفيرو سيكويروس شعلة المكسيك الملتهبة

بقلم : عبد عابدي

نعت الصحف والاذاعات المحلية والعالمية الينا موت رسام الجدران سيكويروس عن عمر يناهز الخامسة
والسبعين في مدينة المكسيك. اما الصحف المحلية فأوردت خبر وفاته في بضعة سطور وفي زاوية مغمورة ، ذكرت فيه انه كان شيوعي النزعة ومن كبار رسامي المكسيك ،مع زميليه ديغو وكلمنتي اوروزكوالذين ارسوا دعائم مدرسة ( المورالية ) والواقعية فيما بعد . ولا غرابة في « توضع » تلك الصحف في سرد حياة فنان مثل سيكيروس في افتعال بارد يميز أعداء الواقعية الاشتراكية وقد عرف الفنان الكبير أعداء الواقعية في سيرة حياته مناضلا وفنانا . وكأن مئات الامتار المربعة من الجدران المرصعة والمفروشة بخطوطه وألوانه المكسيكية – الهندسية الساحرة التي تتحدث عن قيام انسان جديد بدأ مسيرته نحو لقاء شمس الغروب الوردية لا تعني لأولئك شيئا

مع سيكويروس سترتبط الحداثة دائما والمادة اللونية والمبادئ التكوينية والنظرية التي طالما أكد عليها في عمله الفني فهو وجه من الوجوه الساطعة في الفن المكسيكي الحديث جعل الارتباط بين الفكرة والتكنيك عاملا أساسيا في اللوحة
ومثل ريفيرا جعل سيكويروس قضية التقدم سلاحا هاما في سعيه من اجل شعبه المكسيكي وقد لا يتفق كثيرون مع آرائه النظرية ولكن لن يوجد انسان لا يتفق وابداعه الفني الاصيل

ونحن اذ نتحدث عن الفن المكسيكي الحديث لا بد وان نذكر ريفيرا (١٨٨٦ – ١٩٥٧) وكلمنتي اوروزكو (١٨٨٣ – ١٩٤٩) والف سيكويروس (١٨٩٨ – ١٩٧٤) ومدرادو وتمايو٠
واتم اوروزكو ما بدأه ريفيرا في اوائل العشرينيات في جعل الفن المكسيكي وسيلة في أيدي الجماهير الكادحة وفئات الشعب الاخرى ، فأضاف اليه التعبير ، فقد وضع لوحاته الجدرانية ( فريسكو ) ، وكان هدفه الاول الانسان بتفاصيله بحدوده الخاصة واحساسه المتناهي في اثارة العاطفة فيه والرجوع الى الاصالة في اللون التي ميزت المكسيك القديمة في حضارتها الهندية الامريكية العريقة .
وارتبط اسم سيكويروس منذ البدء بالثورة المكسيكية التي اطاحت بالنظام الدكتاتوري شبه الإقطاعي الذي استبد البلاد وجعلها مرتعـــــــا للاحتكارات الامريكيــــــــة الرأسمالية ، التي استولت على اراضي الفلاحين وابقـت علـى الامية ونشرت الفقر وشظف العيش بين الفلاحين المعدمين

استمرت هذه الهبة عشرات السنوات وأثمرت عندما اشترك العمال والفلاحون والمثقفون في النضال لأجل الديمقراطية والتحرر الفكري وفي الميثاق الوطني بند يقضي بمساعدة الفنانين وتطوير التقاليد المكسيكية التي كان لرسوم الجدران فيها دور كبير

مع سيكويروس وهو يتحدث عن نفسه
عندما كنت طالبا في كلية الفنون في درسدن حالفني الحظ لارى سيكويروس واستمع الى كلماته عن التاريخ القديم والجديد في الفن المكسيكي وعن المستقبل
وكنا نتابع كلماته بشغف واهتمام واذكر من حديثه عن نفسه قوله :
تأثرت حركتنا الفنية عامة بشكل مباشر بالوضع البداغوغي (التربوي) السياسي وعندما ذهبنا الى اوروبا كان علينا ان نحقق الاحلام التي من اجلها ناضلنا طويلا الا وهي مكسيك جديدة٠
وفي سنة ١٩١٣ كانت هناك محاولة لضرب المكاسب الثورية ، فانضم عدد من الرسامين وانا احدهم ، الى النضال ، وهكذا بدأ احتكاكنا مباشرة مع الشعب المكسيكي ، وبتعرفنا على شعبنا اهتدينا الى
الانسان وتاريخ والحضارة – حضارة بلادنا العريقة ٠

بدء العمل الفني
الحضارة القديمة التي تركها سكان البلاد الأصليون – المايا والإينكا – وفي الأساس الأهرامات والتمثيل الضخمة والرسوم على الجدران …بقيت قائمة راسخة وأثرت على المفاهيم الجمالية في الفنون وكان ريفيرا واوروزكو يركزان في رسومهما الجدارية على المفهوم الطبقي لاستغلال البرجوازية للشعب الهندي الأحمر ، أما في أعمال سيكويروس فبرزت قضية الشعب المكسيكي العامة – قضية الشعب بفئتيه من البيض والأحمر على حد سواء.
والرسم الجدراني لم يكن جديداً ، في أعمال سيكويروس .. أما الجديد فهو رؤيته الثاقبة وسعيه لادخال عناصر عصرية, وحل مشاكل هندسية تتركز على توزيع الزوايا الهندسية على الوحدة المعروضة وتتناول مسألة التكنيك . « في موضوع الرسم الجداري لا يستطيع الإنسان ان يحصل على حل افضل من الزوايا الكثيرة الموزعة . فاذا كان هناك عشر زوايا او عشرون زاوية رؤية في مكان مقابل اللوحة الجدارية، تتخذ الهياكل الهندسية وضعا هينا للعين » .
نبذ من حياته
انخرط عند عودته من باريس الى مدينة المكسيك ، في العمل الفني ورسم لوحات الجدران ، وعرضت عليه الدولة اقتراحات كثيرة لتزيين دور الحكومة والمؤسسات العامة

.
ادخل السجن عدة مرات . وفي سنة ١٩٤٠ زج به في السجن بتهمة محاولة اغتيال تروتسكي ، وخرج بعدها من السجن شريطة ان يترك البلاد .. فغادرها الى التشيلي ، حيث عمل على تصميم رسوم ألجدران ، وهاجر الى الولايات المتحدة ، وعاش فيها عدة سنوات .
وفي سنة ١٩٣٦ اشترك في الحرب الأهلية الإسبانية جنديا في الجيش الجمهوري .
واشتهر ، بالإضافة الى شهرته كرسام ، بأنه مناضل ثوري ، عمل في صفوف العمال ونظم مظاهرات العمال والطلاب ، وأدخل السجن بسبب ذلك ، وجعل من سجنه متحفا لرسوم الجدران .واطلق سراحه بعد موجة عالمية من الاحتجاجات.
وفي حديثه عن المستقبل في المانيا الديمقراطية قال انه يعد لوحة جـدارية يستغرق انجازها بضع سنوات وتمتد مئات الامتار ، ليروي سيكويروس من خلالها سيرة الشعب المكسيكي في اجيال نضاله لاجل الحياة الافضل .
الرسم الجداري هو اعلى الاستنتاجات ، من حيث النقاء وقوة التعبير في اشكال الرسم .
انه ليس في متناول اليد .. لانه ليس سلعة شخصية يستأثر بها .. بل هو ملك للشعب .. انه للجميع .
أوروزكو


مسيرة الإنسانية
هي إحدى لوحات سيكويروس الجدارية الرائعة. وهي من النحت الملون، ويرافقها برنامج من الضوء والصوت من تصوير دون منويل سواريس.
وتظهر «مسيرة الإنسانية» ناسا ملتصقين بالأرض، امرأة مع طفل تحمله على ظهرها في طرف ثوبها، وأطفال يستعطون الخبز، أكبرهم ينوء تحت حزمة من الحطب ويسير باحثا عن معيشته..
ونسوة يتراكضن شذر مذر، ويتدافعن للحصول على كسرة خبز القاها غيرهن…
ويبرز الفنان الكبير في قالب مسرحي حينا وفي حدة اللون حينا جماهير الإنسانية..
فيصورها حلزونات يتقلب بعضها على بعض وهي تحاول
الحصول على ما لا يمكن الحصول عليه
وفي وسط الجماهير يظهر شخصان نشيطان يسوقان وهما في سورتهما رهطا كاملا من البؤساء ويجران وراءهما المتتردين . انهما يمثلان الديماغوغيين والانبياء الكذبة في هجومهم المتهور ليثيروا الاضطراب والفوضى .

وجانب آخر من اللوحة الرائعة مظالم الحياة واجحافها، السود يعدمون دون محاكمة ( على طريقة اللينش ) ، وصيد الساحرات المتعصب، والسحر الاسود يبتلع عقول الجهلة ، مع المخدرات والجهل والموت .
وامام هذا التحدي تبدأ المسيرة على نسق جديد من الحياة .. العلم والتكنيك والتصنيع . وتمثل المرأة الحضارة ، تعطي راحتاها المفتوحتان المبسوطتان الامل الجديد بمجتمع متمدن قائم
على السلام والانسجام .


عبد عابدي، دافيد سيكيروس، سيكيروس، فن الجداريات المكسيكي، الفن المكسيكي الحديث، الجداريات المكسيكية، الواقعية الاشتراكية، الواقعية الاجتماعية، دييغو ريفيرا، كليمنتي أوريزكو، مسيرة الإنسانية، الفن والث

الإتحاد⁩⁩, 18 كانون الثاني1974

Let your voice be heard! Share your thoughts and ignite the conversation. Your comments matter!

المشاركات الاخيرة

⁨تكريم في متحف ام الفحم للفنون الجميلة⁩
نوفمبر 3, 2025By
الخريطة التفاعلية لأعمال عبد عابدي الفنية في الفضاء العام
يوليو 28, 2025By
من عام 1962 حتى اليوم: إطلاق مكتبة عبد عابدي الإلكترونية وأبرز المحطات الإعلامية
يوليو 16, 2025By
المبدع الفلسطيني عبد عابدي..حاملًا ربيع الفن التشكيلي
يوليو 9, 2025By
دعوة لحضور حفل افتتاح المعرض ُو َجع
يوليو 1, 2025By
إقبال على معرض الفنان الفلسطيني عبد عابدي
مايو 20, 2024By
الفنان عبد عابدي… يروي حكاية حيفا في ذكرى احتلالها
أبريل 29, 2024By
لا يوجد هناك مكان: معرض في متحف الفن الحديث في فرانكفورت
مارس 25, 2024By
⁨محاورة مع كاتب أمريكي حول إنجاز يوم الأرض⁩
مارس 23, 2024By
دعوة: أصوات من مشروع المقابلات “الفن في الشبكات” يوم 21 مارس في الألبرتينوم
مارس 18, 2024By

الأعمال الأخيرة

GDPR

اكتشاف المزيد من عبد عابدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة